في صبيحة يوم الثلاثاء السادس من أكتوبر عام 1981، جلس الرئيس المصري محمد أنور السادات في المنصة الرئاسية يستعرض القوات المسلحة المصرية في احتفال الذكرى الثامنة لانتصار حرب أكتوبر المجيدة. كان في قمة تألقه كبطل حرب وصانع سلام. لكنه لم يكن يعلم أن الموت كان يزحف نحوه من داخل الجيش نفسه. قبل أن تنتهي دقائق الاستعراض، انهالت عليه وابلاً من الرصاص والقنابل اليدوية، ليُصرع على يد ضباط وجنود من قواته المسلحة. كانت تلك اللحظة تحولاً درامياً في تاريخ مصر والعالم العربي، ونهاية لواحد من أكثر الشخصيات إثارة للجدل في المنطقة.
خلاصة الاغتيال: اغتيل الرئيس أنور السادات في 6 أكتوبر 1981 على يد خلية عسكرية تابعة لتنظيم الجهاد بقيادة الملازم أول خالد الإسلامبولي. اغتيل خلال عرض عسكري في ذكرى نصر أكتوبر، مما أدى إلى مقتل 7 أشخاص بينهم سفير كوبا ومسؤول أمني. خلفه نائبه حسني مبارك، وأطلقت السلطات حملة اعتقالات واسعة شملت الآلاف من الإسلاميين.
👤 من هو أنور السادات؟ من بطل الحرب إلى صانع السلام
وُلد محمد أنور السادات في 25 ديسمبر 1918 في قرية ميت أبو الكوم بمحافظة المنوفية. شارك في ثورة 23 يوليو 1952 كعضو في "الضباط الأحرار"، وتولى رئاسة الجمهورية بعد وفاة جمال عبد الناصر في 28 سبتمبر 1970.
في سنواته الأولى، لعب السادات دور "الرجل الظل" خلف عبد الناصر، لكنه بعد توليه الحكم فاجأ العالم بقراراته الجريئة. في 1971 أعلن "عام الحسم" وأطاح بمنافسيه في "حركة تصحيح". في 6 أكتوبر 1973، قاد مصر في حرب مفاجئة ضد إسرائيل، ونجح في عبور قناة السويس وتحطيم خط بارليف، محققاً أول انتصار عربي على إسرائيل منذ 1948. صار بطلاً قومياً في مصر والعالم العربي.
لكن بعد الحرب، اتخذ السادات منعطفاً مفاجئاً وأعلن استعداده للسلام. في نوفمبر 1977، أجرى زيارته التاريخية إلى القدس وألقى خطابه أمام الكنيست الإسرائيلي. ثم توجت جهوده باتفاقية كامب ديفيد (1978) ومعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية (1979) التي أعادت سيناء إلى مصر لكنها أثارت غضباً عربياً واسعاً. قاطعته جامعة الدول العربية، وجمدت عضوية مصر، واتهمته معظم الدول العربية بـ"الخيانة".
"أنا ذاهب إلى إسرائيل لأجعل السلام لا الحرب. كل ما أريده هو أن يتوقف أبناؤنا عن الموت."
💢 أسباب الاغتيال: لماذا كرهه الإسلاميون؟
تراكمت الأسباب التي جعلت السادات هدفاً للتيارات الإسلامية المتطرفة:
معاهدة السلام مع إسرائيل: كانت القشة التي قصمت ظهر البعير. اعتبر الإسلاميون (والقوميون العرب) أن السلام مع إسرائيل "خيانة عظمى" و"تطبيع مع العدو الصهيوني". في نظرهم، السادات خان القضية الفلسطينية والأمة العربية.
الانفتاح الاقتصادي (الإنفتاحية): تحولت مصر في عهد السادات من نظام اشتراكي إلى اقتصاد السوق. فتح البلاد للاستثمارات الغربية، مما أوجد طبقة أغنياء جدد واتساع فجوة الثراء والفقر. اعتبر الإسلاميون ذلك "علمنة" وابتعاداً عن المبادئ الإسلامية.
اضطهاد الإسلاميين: في أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات، اشتبك السادات مع الإسلاميين. ألغى قانون التقاضي (1979) الذي كان يعطي محاكم الجنايات صلاحيات دينية، وأغلق الصحف الإسلامية، واعتقل آلاف الإسلاميين في سبتمبر 1981 (اعتقالات الشهر العقاري). كان هذا القمع المباشر هو الشرارة النهائية.
اتهامه بالكفر: أصدر العديد من شيوخ الإسلاميين فتاوى بتكفير السادات، وأعلنوا أن قتله "واجب شرعي" لأنه حكم بغير ما أنزل الله، وتحالف مع اليهود، وقمع الدعاة.
🔪 المنفذون: خلية تنظيم الجهاد
تآمر على اغتيال السادات خلية عسكرية تابعة لتنظيم "الجهاد الإسلامي" بقيادة الملازم أول خالد أحمد شوقي الإسلامبولي، وهو ضابط في القوات المسلحة المصرية. هو نجل شيخ أزهري من محافظة المنيا، وكان متأثراً بأفكار سيد قطب ومنظري الجهاد. ضمت الخلية:
- خالد الإسلامبولي (قائد الخلية، ضابط مدفعية)
- عبد الحميد عبد السلام (مساعد)
- حسين عباس محمد (مساعد)
- عطا طنطاوي (مساعد)
- محمد عبد السلام فرج (القائد الروحي، مهندس الكهرباء، مفكر التنظيم)
- عبد الظاهر محمد (متخصص في القنابل)
كان الإسلامبولي قائد وحدة مدفعية في الجيش المصري. خطط لاستغلال الاستعراض العسكري السنوي في 6 أكتوبر، حيث تقوم الشاحنات العسكرية بجر المدافع أمام المنصة الرئاسية. كان من المقرر أن تقوم شاحنة بقيادة أحد المنفذين بالتوقف أمام المنصة وإطلاق النار.
خالد الإسلامبولي
"كان شاباً نبيلاً ذا خلق، لكنه كان يرى في السادات عدو الدين. أمضى أشهراً يخطط للعملية وكان يعلم أنها انتحارية." — من وصف رفاقه له
📅 6 أكتوبر 1981: لحظة الاغتيال
في حوالي الساعة 12:10 ظهراً، بينما كانت طائرات "الميراج" والمقاتلات تحلق في السماء، اقتربت الشاحنة رقم 9 (المخصصة لسحب مدفع "إم 102") من المنصة. فجأة، قفز الملازم أول خالد الإسلامبولي من الشاحنة وهو يحمل بندقية آلية. ألقى قنبلة يدوية نحو المنصة وأطلق وابلاً من الرصاص. تبعته ثلاثة مسلحين آخرين. بينما كان الحرس الرئاسي محتاراً، تمكن المسلحون من إصابة السادات برصاصات متعددة في الرقبة والصدر والذراع. سقط السادات أرضاً وسط بركة من الدماء.
قُتل في الهجوم أيضاً: اللواء حسن أبو باشا (مساعد رئيس الجمهورية)، الدكتور يوسف السباعي (كاتب وصحفي ورئيس تحرير الأهرام السابق)، السفير الكوبي، سائقي السادات، وعدد من الحرس. أُصيب العديد الآخرين بجروح، بما في ذلك نائب الرئيس حسني مبارك الذي نجا بأعجوبة، ووزير الدفاع أبو غزالة.
كان آخر ما سمعناه من السادات جملته الدائمة: "لا حول ولا قوة إلا بالله" بعد أن سمع دوي الانفجار وقبل أن تنهال عليه الرصاصات.
ثم سمعناه يقول: "أنا جريح... أنا جريح".
🕊️ وداع السادات: جنازة عالمية بغياب عربي
أقيمت جنازة السادات في 10 أكتوبر 1981 وحضرها ثلاثة رؤساء أمريكيون سابقون (نيكسون، فورد، كارتر) إلى جانب الرئيس الحاكم رونالد ريغان (الذي أرسل وفداً رفيع المستوى). حضر أيضاً العديد من رؤساء الدول الأوروبية والأفريقية وزعماء العالم. لكن حضور القادة العرب كان شبه غائب، إلا قادة السودان وعُمان والصومال. وتزامن ذلك مع مقاطعة عربية شبه كاملة للجنازة احتجاجاً على معاهدة السلام مع إسرائيل.
دفن السادات في ضريح ضخم أقامته الدولة في موقع الاغتيال (منطقة المنصة الرئاسية القديمة)، وأصبح المجمع يسمى "مشهد السادات" في القاهرة الجديدة. نجا نائبه حسني مبارك ليصبح رئيساً لمصر لمدة 30 سنة قادمة.
رد فعل عالمي: أدان العالم بأسره عملية الاغتيال. الرئيس الأمريكي رونالد ريغان قال: "سقط بطل سلام عظيم". وأشاد الاتحاد السوفيتي بإدانته بينما سادت الاحتفالات في بعض الدوائر الإسلامية المتطرفة. في إسرائيل، نعته كل الأوساط الرسمية والشعبية وأقيمت له مراسم تأبين. في العالم العربي، تنوعت ردود الفعل بين الغضب (الرسمي) والفرح الخفي بين قطاعات شعبية من الإسلاميين والقوميين.
⚖️ محاكمة القتلة والإعدام
ألقي القبض على منفذي الاغتيال فوراً. حوكموا أمام محكمة عسكرية استثنائية. أدينوا بتهم "الخيانة العظمى، والقتل العمد، والانتماء لتنظيم غير قانوني". صدر حكم الإعدام بحق خالد الإسلامبولي وأربعة متهمين آخرين. نُفذ حكم الإعدام رمياً بالرصاص في 15 أبريل 1982، أي بعد حوالي ستة أشهر من الاغتيال.
كما أوقف الآلاف من الإسلاميين والمعارضين في حملة اعتقالات واسعة في أعقاب الاغتيال. تحولت مصر إلى حالة طوارئ لم تنتهِ إلا بعد 30 عاماً. تمكن بعض المتورطين من الفرار والهروب إلى أفغانستان وأوروبا، ومنهم الطبيب أيمن الظواهري (الذي أصبح لاحقاً رقم 2 في تنظيم القاعدة وخليفة لأسامة بن لادن)، الذي كان عضواً في خلية داعمة للعملية.
نهاية الخلية: نفذ حكم الإعدام في الإسلامبولي ورفاقه رمياً بالرصاص. واستمرت المحاكمات لسنوات ضد المتهمين المتورطين. ظل تنظيم الجهاد يهدد النظام المصري لعقود، ونشأت جماعاته المتفرعة في كل مكان من الجزائر إلى اليمن إلى العراق.
🌊 تداعيات الاغتيال على مصر والمنطقة
غير اغتيال السادات مسار مصر والعالم العربي:
وصول حسني مبارك: تولى نائب الرئيس السابق (وقائد القوات الجوية الأسبق) حسني مبارك الحكم، واستمر لمدة 30 عاماً (حتى 2011). حافظ على معاهدة السلام مع إسرائيل لكنه عاد تدريجياً للجامعة العربية.
تصاعد التطرف الديني: أصبحت مصر ساحة للعنف بين النظام والإسلاميين طوال الثمانينيات والتسعينيات. شهدت مصر اغتيالات لوزراء ومثقفين، وهجمات على سياح ومسيحيين. ظل الصراع الدموي مستمراً حتى التسعينيات عندما قمعه النظام بقسوة.
بقاء معاهدة السلام: رغم أن الاغتيال نُفذ كرد فعل على "السلام مع إسرائيل"، بقيت المعاهدة سارية المفعول. مصر لم تتراجع عن خطوة السادات، ولم تعد للحرب مع إسرائيل، بل استمر السلام البارد بين البلدين.
تأثير على التيارات الإسلامية: أثبت اغتيال السادات أن "النموذج الجهادي" يمكنه قتل قادة الدول، لكنه فشل في تغيير السياسات أو إسقاط الأنظمة. درس الجهاديون من هذا، وطوروا أفكارهم في الـ 20 سنة التالية، مما أدى لاحقاً إلى ظهور تنظيم القاعدة.
"السادات اختار السلام. دفع حياته ثمناً له. لكنه دفع إلى مصر كرامتها وأمنها في النهاية."
🔪 إرث مزدوج: بطل الحرب أم خائن السلام؟
بوفاة السادات، أثار جدلاً واسعاً لم ينته بعد. في مصر، تم التهوين من هذا الجدل في عهد مبارك. في الخارج، بعض الدول العربية لا تزال تذكره كبطل حرب 1973، ولكنها تنتقده بشدة لسلامه مع إسرائيل. في إسرائيل والغرب، يبقى السادات بطلاً للسلام ومثالاً لقائد يضع مصلحة بلاده فوق كل اعتبار.
بينما يرى الكثير من المصريين أنه حافظ على الدماء وأنقذ البلاد من حروب لا نهاية لها، يراه آخرون (وخصوصاً الإسلاميين) خائناً خان القضية الفلسطينية والأمة العربية، وفتح الباب للتطبيع.
بعد عقود، خُلِّد السادات في التاريخ كواحد من أكثر القادة العرب جرأة. خاض حرباً واستعاد أرضاً، ثم وقع سلاماً وأعاد سيناء. لا يزال تمثاله في مدن مصر المختلفة قائماً، ولا تزال مدرسته السياسية (التحول من الاشتراكية إلى الانفتاح) مستمرة حتى اليوم. لكن جرح اغتياله لا يزال غائراً في النسيج المصري خاصة مع استمرار صراع الدولة مع التطرف الديني.
عبرة التاريخ: اغتيال السادات أثبت أن العنف السياسي نادراً ما يحقق أهدافه. السلام مع إسرائيل لم يُلغ، واستمر نظام مبارك لعقود، واستمر التطرف في التهام أبناء المجتمع. كما أنه كان صدمة أظهرت أن العداء لتطبيع العلاقات مع إسرائيل يمكن أن يقود إلى أعمال وحشية أضرت بالشعب المصري أولاً وآخراً.