على قمة جبل في القدس، شيد أعظم مبنى في التاريخ اليهودي: هيكل سليمان (Beit HaMikdash - بيت المقدس). استغرق بناؤه 7 سنوات، بمشاركة عشرات الآلاف من العمال (من البشر والجن!). كان الهيكل مركز العبادة اليهودية، ومقر تابوت العهد، ومكان حلول "الشخينة" (الحضور الإلهي). دُمر الهيكل مرتين: الأولى على يد البابليين (586 ق.م)، والثانية على يد الرومان (70 م). لم يعد بناؤه بعد الدمار الثاني. بقيت منه بقية: الحائط الغربي (حائط المبكى/حائط البراق)، الذي أصبح أقدس مكان في اليهودية. اليوم، يقوم فوقه المسجد الأقصى وقبة الصخرة. هذا هو تاريخ أعظم معبد في التاريخ القديم.
خلاصة التاريخ: بني هيكل سليمان حوالي 966-959 ق.م على جبل المريا (جبل الهيكل) في القدس. كان داود (والد سليمان) قد خطط لبنائه وجمع المواد، لكن الله أوحى أن سليمان هو من سيبنيه. استخدم في بنائه الذهب والفضة والنحاس والخشب والحجارة. شارك الجن في البناء (حسب القرآن). دمره البابليون بقيادة نبوخذ نصر عام 586 ق.م. بني الهيكل الثاني على أنقاضه عام 515 ق.م (بعد عودة اليهود من السبي البابلي). وسع الملك هيرودس الهيكل الثاني (20 ق.م - 64 م). دمره الرومان بقيادة تيطس عام 70 م. اليوم، يقوم المسجد الأقصى وقبة الصخرة على جبل الهيكل. يهود متدينون يصلون عند حائط المبكى (الحائط الغربي للهيكل)، ويحلمون بإعادة بناء الهيكل الثالث.
📐 تصميم الهيكل: أعجوبة معمارية
صُمم الهيكل بناءً على نموذج "خيمة الاجتماع" التي بناها موسى في الصحراء، لكن بشكل دائم وفخم. كان مستطيل الشكل، طوله 60 ذراعاً (27 متراً)، عرضه 20 ذراعاً (9 أمتار)، وارتفاعه 30 ذراعاً (13.5 متراً). يتكون من ثلاثة أقسام رئيسية:
1. الرواق (الأولام): المدخل الشرقي، ارتفاعه 120 ذراعاً (54 متراً!). عمودان ضخمان من النحاس عند المدخل: "ياقين" (يمين) و"بوعز" (يسار).
2. القُدس (الهيكل): القاعة الرئيسية. فيها مذبح البخور الذهبي، وطاولة خبز التقدمة، والمنارة الذهبية ذات الأفرع السبعة. الجدران مغطاة بخشب الأرز المنقوش عليه كروبيم ونخيل وأزهار، ومغطاة بالذهب.
3. قدس الأقداس (دبير): أقدس مكان على الأرض. غرفة مكعبة (20 × 20 × 20 ذراعاً). لا نوافذ. ظلام دامس. هنا وضع تابوت العهد. لا يدخله إلا رئيس الكهنة مرة واحدة في السنة (يوم الغفران/يوم كيبور). عندما كان رئيس الكهنة يدخل قدس الأقداس، كان يربط حبلاً في رجله (حتى إذا مات من هيبة المكان، يسحبوه للخارج!).
🧞 الجن يبنون الهيكل
القرآن الكريم يضيف تفصيلاً مذهلاً: الجن كانوا يعملون مع سليمان في بناء الهيكل! "يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجوابي وقدور راسيات". المحاريب: هي الأماكن المقدسة (قدس الأقداس). التماثيل: نقوش الكروبيم والنخيل على الجدران. الجفان كالجوابي: أحواض ماء ضخمة للوضوء والغسل. البحر المسبوك: حوض ضخم من النحاس (قطره 10 أذرع، ارتفاعه 5 أذرع) يستخدمه الكهنة للاغتسال، كان موضوعاً على 12 ثوراً من النحاس (3 في كل جهة). التوراة تذكر أن "حيرام" (مهندس من صور) هو من صنع هذه التحف. لكن القرآن يضيف أن الجن كانوا يعملون تحت إمرة سليمان. من الممكن أن يكون المهندس البشري (حيرام) أشرف على عمل الجن.
💥 586 ق.م: الدمار الأول - البابليون
استمر الهيكل الأول حوالي 380 سنة (966-586 ق.م). في عام 586 ق.م، حاصر الملك البابلي نبوخذ نصر (بختنصر) القدس. دمر المدينة. أحرق الهيكل بالكامل. أخذ كل كنوزه الذهبية: المنارة، المذبح، الأواني المقدسة. دمر أسوار القدس. أخذ آلاف اليهود أسرى إلى بابل (السبي البابلي). هنا، اختفى تابوت العهد (لم يُذكر ضمن الغنائم). جلس اليهود على أنهار بابل وبكوا عندما تذكروا صهيون (مزمور 137). استمر السبي 70 سنة.
🏗️ 515 ق.م: الهيكل الثاني - العودة
في 539 ق.م، احتل الفرس (بقيادة قورش الكبير) بابل. سمح قورش لليهود بالعودة إلى القدس وبناء الهيكل من جديد (أسطوانة قورش). بدأ بناء الهيكل الثاني عام 521 ق.م، واكتمل عام 515 ق.م. كان الهيكل الثاني أصغر وأقل فخامة من الأول. لم يكن فيه تابوت العهد (لأنه اختفى). ظل قدس الأقداس فارغاً. في القرن الأول قبل الميلاد، وسع الملك هيرودس الكبير الهيكل الثاني بشكل هائل (20 ق.م - 64 م). جعله من أعظم المباني في العالم الروماني. ضخم ساحة الحرم (480 × 280 متراً). بنى الأروقة (البوائك). الهيكل في عهد هيرودس كان تحفة معمارية.
💀 70 م: الدمار الثاني - الرومان
في عام 66 م، ثار اليهود على الإمبراطورية الرومانية (الثورة اليهودية الكبرى). أرسل الإمبراطور نيرون ابنه تيطس (تيتوس) لسحق الثورة. في عام 70 م (9 آب حسب التقويم اليهودي)، حاصر تيطس القدس. دمر المدينة. أحرق الهيكل. كان الحريق هائلاً لدرجة أن الذهب المغطي للجدران انصهر وسال بين الحجارة. يقال إن الجنود الرومان هدموا الهيكل حجراً حجراً لاستخراج الذهب. قتل مئات الآلاف. أخذت غنائم الهيكل (بما في ذلك المنارة الذهبية) في موكب نصر في روما (منحوت على قوس تيطس حتى اليوم). لم يعد بناء الهيكل بعدها أبداً. أصبحت القدس مدينة مدمرة. غير الإمبراطور هادريان اسمها إلى "إيليا كابيتولينا" (132 م)، وبنى معبداً لجوبيتر فوق جبل الهيكل.
🕌 جبل الهيكل اليوم
اليوم، يقوم فوق جبل الهيكل (الحرم القدسي الشريف) المسجد الأقصى وقبة الصخرة (بنيت 691 م). الجدار الغربي للحرم (حائط المبكى/حائط البراق) هو كل ما تبقى من هيكل هيرودس. اليهود يصلون عنده ويعتبرونه أقدس مكان لديهم. بعض الجماعات اليهودية المتطرفة تدعو إلى بناء "الهيكل الثالث" في مكان المسجد الأقصى، مما يسبب توترات مستمرة. الحفريات تحت الحرم مثيرة للجدل. لا يزال جبل الهيكل واحداً من أكثر الأماكن حساسية في العالم.
"فبكى الشعب وهم يرون أساس الهيكل الجديد. كان الشيوخ الذين رأوا الهيكل الأول يبكون بصوت عظيم. أما الشباب فكانوا يهتفون فرحاً. ولم يكن أحد يميز بين صوت الهتاف فرحاً وصوت البكاء."
🤔 هل سيبني الهيكل الثالث؟
حسب المعتقدات اليهودية المسيانية، سيأتي المسيح المنتظر (المشيح) ويعيد بناء الهيكل الثالث. بعض اليهود المتدينين يستعدون لذلك: جهزوا آنية الهيكل (المنارة الذهبية، مذبح البخور)، دربوا كهنة (كوهانيم) على الطقوس، ودرسوا مخططات الهيكل. لكن بناء الهيكل الثالث سيتطلب هدم المسجد الأقصى وقبة الصخرة، مما يعني حرباً دينية عالمية. في "نبوءات نهاية الزمان" الإسلامية، ورد أن المسيح الدجال سيصلي في "هيكل سليمان"، وأن المهدي سيحرره. هل سنرى الهيكل الثالث في حياتنا؟ التاريخ وحده سيجيب.
حجارة تبكي
"في التاسع من آب (حسب التقويم اليهودي)، يجلس اليهود المتدينون على الأرض في حداد. يقرأون مراثي إرميا. يصومون. يبكون. هذا اليوم هو ذكرى دمار الهيكلين: الأول على يد البابليين (586 ق.م)، والثاني على يد الرومان (70 م). في نفس اليوم بالضبط! مصادفة؟ أم إرادة إلهية؟ بعد 2000 سنة، لا يزال اليهود يبكون الهيكل. وعند حائط المبكى، يضعون أوراق الأدعية بين الحجارة. يصلون: 'في العام القادم في أورشليم المبنية'. هيكل سليمان دمر. لكنه لم يمت في الذاكرة."