في صباح يوم الاثنين 26 يناير 1885، كان حصار الخرطوم الذي استمر 320 يوماً على وشك الانتهاء. اخترقت قوات الثورة المهدية بقيادة محمد أحمد المهدي أسوار المدينة القديمة. اندفع آلاف المجاهدين إلى شوارع الخرطوم. الجنرال تشارلز جورج غوردون (غوردون باشا)، الحاكم العام للسودان، كان يعلم أن نهايته اقتربت. ارتدى زيّه العسكري الرسمي، وأمسك بسيفه، وانتظر الموت في قصر الحكم. قُتل غوردون برمحين وسيف على درج القصر. قُطع رأسه ورفع على رمح. بهذا أنهى الثوار السودانيون حلم الإمبراطورية البريطانية في السيطرة على السودان. كانت تلك نهاية "غوردون باشا"، وأسطورة "خليج غوردون". إليكم القصة الكاملة.
خلاصة القصة: الثورة المهدية بقيادة محمد أحمد المهدي حاصرت الخرطوم لمدة 10 أشهر. في 26 يناير 1885، اقتحم الثوار المدينة وقتلوا الجنرال غوردون (الحاكم العام للسودان). هذا الحدث صدم بريطانيا وأدى إلى انسحابها من السودان مؤقتاً، لكنها عادت وغزته مرة أخرى عام 1898 (معركة أم درمان).
📜 خلفية الثورة المهدية (1881-1885)
في عام 1881، أعلن محمد أحمد بن عبد الله (المهدي) في جزيرة أبّاً (جنوب الخرطوم) أنه المهدي المنتظر الذي سيملأ الأرض عدلاً بعد أن ملئت جوراً. دعا إلى الجهاد ضد الحكم التركي المصري (الخديوي) الذي كان يسيطر على السودان نيابة عن الإمبراطورية العثمانية (وبدعم بريطاني). اشتبك قوات المهدي مع الجيش المصري في عدة معارك، وحققوا انتصارات متتالية. في 1883، دمروا جيشاً مصرياً قوامه 8,000 جندي بقيادة البريطاني ويليام هيكس في معركة شيكان (كردفان). ضغطت بريطانيا على مصر لسحب قواتها من السودان. أُرسل الجنرال غوردون (الذي كان حاكماً عاماً للسودان سابقاً في 1877-1879) إلى الخرطوم لإجلاء القوات المصرية والمدنيين. لكنه عكس أوامره ونظم الدفاع عن المدينة.
"أنا لن أتخلى عن الخرطوم. سأدافع عنها حتى الموت."
⚔️ حصار الخرطوم (مارس 1884 - يناير 1885)
حصار طويل (320 يوماً)
عانى سكان الخرطوم من الجوع: أكلوا الكلاب والقطط والحمير والجيف. أكلوا الخبز المخلوط بالرماد. مات المئات بسبب الأمراض. غوردون منع الاستسلام وأصر على القتال حتى النهاية.
🗡️ 26 يناير 1885: سقوط الخرطوم ومقتل غوردون
في فجر 26 يناير، استغل المهدي تقلص منسوب النيل (ولاية الخرطوم تقع على النيل)، فقام 50,000 مقاتل بعبور النهر واقتحام السور الشرقي الضعيف. انتشروا في المدينة. بحلول الظهر، كانوا قد سيطروا على كل الأحياء. هرع غوردون إلى قصر الحكم (سراي الخرطوم). خاض معركة قصيرة مع المجاهدين على الدرج الملكي. طعنته رماحهم حتى سقط. قطعوا رأسه وحملوه إلى المهدي. استمرت المذبحة 3 أيام: قُتل 6,000-10,000 من سكان الخرطوم وأفراد الجيش المصري. نُهبت ودُمرت المباني الحكومية. كانت الخرطوم مدينة أشباح.
📰 حملة الإغاثة المتأخرة (وصول اللورد ولسلي)
في 28 يناير 1885، بعد يومين من مقتل غوردون، وصلت قوارب الحملة البريطانية بقيادة اللورد غارنت ولسلي إلى الخرطوم. وجدوا المدينة في حالة خراب، والجثث متناثرة في الشوارع. طلب ولسلي من زعيم القبائل إعادة رأس غوردون ليدفن في إنجلترا، لكنه رفض. دفن رأس غوردون في شجرة (نُقل لاحقاً إلى إنجلترا). عادت الحملة إلى مصر بعد فشلها في إنقاذ غوردون. هزت الصدمة الرأي العام البريطاني، واتُهمت الحكومة (غلادستون) بالتقاعس عن إنقاذ البطل الوطني (غوردون). سقطت حكومة غلادستون لاحقاً بسبب هذا الفشل.
رأس غوردون: بعد سقوط الخرطوم، أمر المهدي بقطع رأس غوردون ووضعه على رمح وعرضه في شوارع المدينة. ثم نُقل إلى أم درمان (عاصمة المهدي). بقي الرأس معلقاً على شجرة في أم درمان لسنوات. في 1898، بعد معركة أم درمان، استعاد الجيش البريطاني الرأس وأرسله إلى إنجلترا (دفن في كاتدرائية القديس بولس بلندن).
🕌 بعد المعركة: دولة المهدي (1885-1898)
بعد سقوط الخرطوم، أسس المهدي دولة إسلامية في السودان (دولة المهدية). عاصمتها أم درمان (قرب الخرطوم). فرض الشريعة الإسلامية، وأقام نظاماً إدارياً. توفي المهدي بعد 6 أشهر من الانتصار (يونيو 1885) بسبب مرض التيفوس (أو التسمم). خلفه خليفته عبد الله التعايشي (خليفة المهدي). استمرت دولة المهدية حتى 1898، عندما عاد البريطانيون بقيادة اللورد كتشنر لاستعادة السودان (معركة أم درمان، 2 سبتمبر 1898). دُمّرت قوات الخليفة، وقُتل آلاف. عاد الحكم الثنائي (بريطاني-مصري) للسيطرة على السودان حتى 1956.
"الموت في سبيل الله خير من الحياة في ظل الكفار. هذا هو الفتح المبين."
🏛️ إرث مقتل غوردون: بين الإدانة والبطولة
في بريطانيا، يعتبر غوردون بطلاً قومياً استشهد في سبيل الإمبراطورية. أقيم تمثاله في لندن. وفي السودان، يعتبر غوردون رمزاً للاستعمار الغاشم، ومقتله انتصار للثورة المهدية. الثورة المهدية ألهمت حركات التحرر في العالم العربي. لا يزال قبر المهدي في أم درمان مزاراً للسودانيين حتى اليوم.
"غوردون باشا" في السينما
فيلم "Khartoum" (1966) بطولة تشارلتون هيستون (غوردون) ولورنس أوليفييه (المهدي). تناول الفيلم حصار الخرطوم ومقتل غوردون. فاز بجوائز متعددة.
📖 خلاصة: درس من التاريخ
مقتل الجنرال غوردون في الخرطوم عام 1885 يظل لحظة فارقة في تاريخ الاستعمار والتحرر. أظهر أن الشعوب المستضعفة يمكنها هزيمة القوى العظمى إذا توحدت. كما أظهـر أن الاستعمار ليس أبدياً. بالنسبة للسودانيين، يمثل المهدي وغوردون رمزين متعارضين. واليوم، بينما يستذكرون معركة أم درمان (1898)، فإنهم يفخرون بأن أجدادهم استطاعوا تحرير أرضهم لسنوات.