في 7 نوفمبر 1966، وصل رجل أرجنتيني (38 عاماً)، أصلع، ذو لحية خفيفة، يرتدي نظارات ويحمل جواز سفر أوروغواي مزيفاً باسم "أدولفو مينا غونزاليس"، إلى مطار لاباز في بوليفيا. كان إرنستو "تشي" جيفارا، البطل الأسطوري للثورة الكوبية، الذي أصبح أيقونة عالمية. اختفى فجأة من المشهد العالمي عام 1965 (بعد خطاب وداع غامض في الجزائر)، والآن هو هنا، في قلب أمريكا الجنوبية، لبدء ثورة جديدة. لمدة 11 شهراً، قاد مجموعة حرب عصابات صغيرة في غابات وجبال بوليفيا. كل مساء، وفي أقسى الظروف (الجوع، المرض، البرد، الملاريا)، كان يكتب مذكراته في دفتر صغير. هذه اليوميات، التي نشرت بعد موته، أصبحت واحدة من أشهر الوثائق الثورية في التاريخ. تحكي قصة فشل ملحمي: حملة محكوم عليها بالفشل منذ البداية، انتهت بأسر تشي وإعدامه في 9 أكتوبر 1967. صورة جثته (الممددة على حوض غسيل في مدرسة لاهيغيرا، وعيناه مفتوحتان، تشبهان المسيح الميت) حولته إلى شهيد عالمي وأيقونة خالدة.
خلاصة المذكرات: يوميات تشي جيفارا في بوليفيا تغطي الفترة من 7 نوفمبر 1966 (وصوله إلى بوليفيا) إلى 7 أكتوبر 1967 (اليوم السابق لأَسره). كتبها في دفتر صغير بخط يده. تنشر لأول مرة عام 1968 (بعد موته) وأصبحت من أكثر الكتب مبيعاً في العالم. تحكي قصة حملة ثورية فاشلة: 47 مقاتلاً (معظمهم كوبيون وبوليفيون) يحاولون إشعال ثورة في بوليفيا. يواجهون تضاريس وعرة، أمراضاً، جوعاً، انعدام دعم الفلاحين المحليين، وتفوقاً ساحقاً للجيش البوليفي (المدعوم من CIA). المذكرات صريحة بشكل لاذع: تشي ينتقد رفاقه، يعترف بأخطائه، يصف الجوع والبرد واليأس. لكنه لا يفقد الأمل أبداً. آخر جملة كتبها (7 أكتوبر 1967): "11 شهراً من بدء عمليتنا... انتهى يوم بلا أخبار". في اليوم التالي، حوصر فريقه في وادي يورو، وجرح تشي وأُسر. أعدم في اليوم التالي.
🧳 لماذا بوليفيا؟ تشي يختار ساحة المعركة
بعد نجاح الثورة الكوبية (1959)، أصبح تشي جيفارا أشهر ثوري في العالم. شغل مناصب عليا في الحكومة الكوبية (وزير الصناعة، محافظ البنك المركزي). لكنه لم يكن رجل مكاتب. كان مقاتلاً بالفطرة. في 1965، تنازل عن كل مناصبه، وترك زوجته وأطفاله الخمسة، وخرج إلى العالم لإشعال "ثورة عالمية" ضد الإمبريالية الأمريكية. قال في رسالة الوداع إلى فيدل كاسترو: "شعبي يقوم بواجبه في كوبا. هنا، تنتهي مسؤوليتي. حان الوقت لأذهب حيث تدعوني واجباتي الثورية". حاول أولاً في الكونغو (أفريقيا 1965)، وفشل. ثم اختار بوليفيا.
لماذا بوليفيا؟ كانت قلب أمريكا الجنوبية. من بوليفيا، يمكن للثورة أن تنتشر إلى الأرجنتين وتشيلي وبيرو والبرازيل وباراغواي (5 دول محيطة!). كانت بوليفيا أفقر دولة في القارة، ذات تاريخ من الانقلابات العسكرية والثورات العمالية (ثورة 1952). ظن تشي أن الشعب البوليفي جاهز للثورة. كان مخطئاً.
🌿 11 شهراً من الجحيم: تفاصيل اليوميات
مذكرات تشي هي سجل صادم للحياة اليومية لحرب العصابات الفاشلة. منذ البداية، كل شيء يسير بشكل خاطئ:
التضاريس القاسية: بدلاً من الجبال التي تخيلها (مثل سييرا مايسترا في كوبا)، وجدوا غابات استوائية رطبة مليئة بالحشرات والثعابين، وجبالاً وعرة لا ماء فيها. كانوا يضيعون باستمرار (الدليل الذي أحضره كان سيئاً).
المرض والجوع: تشي نفسه كان يعاني من الربو المزمن (كان يحمل دائماً منشقة). في الغابة، كان يعاني نوبات ربو حادة، ويتضور جوعاً مع رجاله (كانوا يأكلون لحوم الخيل والبغال النافقة أحياناً).
انعدام الدعم المحلي: أهم كارثة. الفلاحون البوليفيون (معظمهم من الهنود الأصليين الذين لا يتحدثون الإسبانية) لم ينضموا إليهم. كانوا خائفين، غير مهتمين بالثورة، بعضهم أبلغ الجيش عن مواقعهم. تشي كتب بمرارة: "الفلاحون لا ينضمون إلينا. يراقبوننا كمتفرجين".
انقسامات داخلية: المجموعة كانت منقسمة: الكوبيون (قدامى المحاربين) مقابل البوليفيين الجدد. تشي ينتقد في مذكراته بعض رفاقه بقسوة. يصف خلافات، جبناً، هروباً.
تفوق العدو: الجيش البوليفي (المدرب من قبل القوات الخاصة الأمريكية - Green Berets) و CIA كانوا على علم بوجودهم منذ البداية (بفضل المخبرين). طاردوهم بلا هوادة. 2,000 جندي بوليفي ضد 47 مقاتلاً.
"يوم أسود. تحركنا مع طلوع القمر. سقطنا في فخ. فقدنا 3 رجال. الرفيق فلان اختفى. لا نعرف إن كان قتل أم هرب. الجوع ينهش أحشاءنا. ربو تشي يعود. الفلاحون ينظرون إلينا كغرباء. رغم كل شيء، المعنويات جيدة. الثورة ستنتصر."
📉 السقوط: أغسطس-أكتوبر 1967
في أغسطس 1967، بدأت النهاية. انقسمت المجموعة إلى قسمين: تشي مع 17 رجلاً في الجبال، ومجموعة أخرى بقيادة خوان فيتالو أكوانا (الطبيب الكوبي) في مكان آخر. لم يعودوا قادرين على التواصل. الجيش البوليفي قضى على المجموعة الثانية أولاً (قتل معظمهم، بمن فيهم أكوانا). ثم ركز على مجموعة تشي. في 26 سبتمبر، دخل الجيش قرية لاهيغيرا (La Higuera) الصغيرة، وحاصر المنطقة. في 8 أكتوبر 1967، في وادي يورو (Quebrada del Yuro)، حوصرت مجموعة تشي (17 رجلاً) من قبل كتيبة بوليفية. اندلع قتال عنيف. قتل 3 من رجال تشي. تشي نفسه أصيب في ساقه (اخترقت رصاصة ربلة ساقه). حاول الهرب مع رفيقين، لكن الجيش قبض عليهم. عندما اقتيد إلى لاهيغيرا، قال لجنوده: "لا تطلقوا النار. أنا تشي جيفارا. قيمتي لكم وأنا حي أكبر من قيمتي ميتاً".
💀 9 أكتوبر 1967: الإعدام
احتُجز تشي في مدرسة لاهيغيرا الصغيرة (غرفة من الطين). كان جريحاً، مقيداً، لكنه تحدى خاطفيه. قال للضابط البوليفي: "أعرف أنك ستقتلني. كان يجب أن أقتلك أنا". في صباح 9 أكتوبر، وصلت الأوامر من لاباز (من الرئيس البوليفي رينيه بارينتوس، بموافقة CIA): "أعدموا تشي". دخل الجندي ماريو تيران (الذي تطوع للمهمة) الغرفة. تشي وقف. قال له: "أعلم أنك جئت لقتلي. أطلق النار. لا تخف". أطلق تيران 9 رصاصات. أصابت 5 منها تشي (في ساقيه وذراعه وصدره). مات تشي جيفارا في الساعة 1:10 ظهراً عن 39 عاماً. جثته نقلت بطائرة هليكوبتر إلى فاليغراندي (بلدة قريبة). عرضت على حوض غسيل في مشرحة المستشفى. المصور فريدي ألبورترا التقط صورة الجثة: تشي ممدد، عيناه مفتوحتان، شعره الطويل ولحيته، يشبه لوحات المسيح الميت. أصبحت هذه الصورة أيقونة عالمية. قطعت يداه (لإرسالهما إلى الأرجنتين لبصمات الأصابع للتأكيد). دفنت جثته سراً في مقبرة جماعية قرب مطار فاليغراندي. لم يعثر على رفاته إلا بعد 30 عاماً (1997)، ونقلت إلى كوبا حيث دفن في ضريح في سانتا كلارا.
📖 المذكرات تنشر: كتاب الموتى المقدس
بعد مقتل تشي، صادر الجيش البوليفي مذكراته. CIA صورت نسخاً. قررت الحكومة البوليفية تدميرها (كي لا يصبح شهيداً!). لكن وزير الداخلية البوليفي (أنطونيو أرغيداس) كان معجباً سراً بتشي. سرق المذكرات وأرسلها إلى كوبا. في يوليو 1968، نشرتها كوبا مجاناً للعالم. أصبحت "يوميات تشي في بوليفيا" من أكثر الكتب مبيعاً في التاريخ (ترجمت إلى 30 لغة). فيدل كاسترو كتب مقدمة مؤثرة: "هذه اليوميات هي شهادة رجل لم يفقد الأمل أبداً، حتى في أحلك الظروف. إنها دروس في الثورية الصلبة". المذكرات حولت هزيمة تشي العسكرية إلى نصر أسطوري. أثبتت للعالم أن تشي مات مقاتلاً، بقلمه في يده، حتى النهاية.
🌟 أيقونة خالدة
بعد موته، تحول تشي جيفارا من ثائر حي إلى أيقونة عالمية. صورته (التي التقطها المصور ألبرتو كوردا عام 1960، "المقاتل البطولي") هي الصورة الأكثر استنساخاً في تاريخ البشرية. على قمصان الملايين، على الجدران، على الأعلام، على الأوشام. بالنسبة للبعض، هو رمز للثورة والعدالة الاجتماعية والتضحية. بالنسبة لآخرين، هو قاتل شيوعي متعصب. لكن الجميع يعترف بقوة الأسطورة. في كوبا، هو بطل قومي. تمثاله العملاق في سانتا كلارا (حيث حقق انتصاره الحاسم 1958). تلاميذ المدارس الكوبية يرددون كل صباح: "نحن مثل تشي!". في بوليفيا، تحولت قرية لاهيغيرا (حيث قتل) إلى مزار سياحي. يزورها آلاف "الحجاج" سنوياً. الجندي ماريو تيران (الذي أعدم تشي) عاش بقية حياته في الخفاء، خائفاً من الانتقام. توفي عام 2022 عن 80 عاماً.
جملة أخيرة
"آخر جملة كتبها تشي في مذكراته (7 أكتوبر 1967): '11 شهراً من بدء عمليتنا... انتهى يوم بلا أخبار'. في اليوم التالي، أسر وأعدم. هذه الجملة البسيطة، العادية، هي أكثر ما يوجع القلب في المذكرات كلها. رجل في قمة المجد العالمي، ينهي يومياته بجملة روتينية: 'انتهى يوم بلا أخبار'. لا خطب حماسية. لا وداع ملحمي. مجرد جندي منهك يكتب يومياته قبل أن ينام. وفي صباح اليوم التالي، ذهب إلى موته."