في 30 مايو 1967، أعلن العقيد أودوميغوو أوجوكوو استقلال جمهورية بيافرا عن نيجيريا. ما تلا ذلك كان واحدة من أبشع الحروب الأهلية في التاريخ الأفريقي الحديث: 30 شهراً من القتال، ومجاعة مروعة استخدمت كسلاح حرب، ومقتل ما بين مليون و3 ملايين شخص (معظمهم من المدنيين، وكثير منهم أطفال). حرب بيافرا كانت أول حرب تلفزيونية في أفريقيا: صور الأطفال الهزّل ذوي البطون المنتفخة من الجوع وصلت إلى شاشات التلفزيون في أوروبا وأمريكا، مما أثار موجة تعاطف عالمية وأدى إلى أكبر عملية إغاثة جوية مدنية في التاريخ. ورغم أن بيافرا خسرت الحرب (استسلمت في 15 يناير 1970)، إلا أن صور المجاعة ظلت محفورة في الذاكرة العالمية، وغيرت الطريقة التي يستجيب بها العالم للمجاعات.
خلاصة الحرب: حرب بيافرا (الحرب الأهلية النيجيرية) استمرت 30 شهراً (1967-1970). بدأت بمحاولة إقليم شرق نيجيريا (الذي يسيطر عليه شعب الإيغبو) الانفصال تحت اسم "جمهورية بيافرا" بقيادة أودوميغوو أوجوكوو. ردت الحكومة الفيدرالية النيجيرية بقيادة يعقوبو غوون بحرب شاملة. فرضت حصاراً بحرياً وبرياً خانقاً على بيافرا، مما تسبب في مجاعة مروعة. مات ما بين 1-3 ملايين شخص (معظمهم من المدنيين والأطفال بسبب الجوع والمرض). قامت منظمات إغاثة دولية (الصليب الأحمر، منظمة "أنقذوا الأطفال"، وأطباء بلا حدود التي تأسست أصلاً رداً على بيافرا) بأكبر عملية جسر جوي إنساني في التاريخ (نقل 60,000 طن من المساعدات). استسلمت بيافرا في 15 يناير 1970. أعلن غوون "لا غالب ولا مغلوب" وأعاد دمج الإيغبو في نيجيريا.
🇳🇬 لماذا بيافرا؟ جذور الحرب
نيجيريا بلد ضخم (أكبر دولة في أفريقيا سكانياً: 230 مليون اليوم) خلقه الاستعمار البريطاني بضم مئات القبائل والأعراق المختلفة في دولة واحدة. التوترات بين المجموعات الثلاث الكبرى (الهوسا في الشمال المسلم، اليوروبا في الغرب، والإيغبو في الشرق المسيحي) كانت موجودة منذ الاستقلال (1960). في يناير 1966، قاد ضباط إيغبو انقلاباً عسكرياً. قتل رئيس الوزراء (من الشمال) وعدد من القادة الشماليين. رد الشماليون بانقلاب مضاد في يوليو 1966، قتل فيه رئيس الدولة الجديد (من الإيغبو). ثم بدأت مذابح ضد الإيغبو في الشمال: قتل 30,000-50,000 إيغبو مدني. نزح مليون إيغبو من الشمال عائدين إلى الشرق. في الشرق، شعر الإيغبو أنهم غير آمنين في نيجيريا الموحدة. بدأ الحديث عن الانفصال. في 30 مايو 1967، أعلن الحاكم العسكري للشرق، أوجوكوو، استقلال بيافرا.
⚔️ الحرب: ديفيد ضد جالوت
كانت الحرب غير متكافئة. بيافرا كانت منطقة صغيرة (76,000 كم²) بـ 13 مليون نسمة. نيجيريا الفيدرالية كانت أضخم بكثير (55 مليون نسمة). بيافرا حوصرت: لا منفذ بحري (بعد أن استولت نيجيريا على بورت هاركورت في 1968)، لا اعتراف دولي (فقط تنزانيا وزامبيا وهايتي وساحل العاج اعترفت بها)، ودعم عسكري ضئيل (مرتزقة أوروبيون). نيجيريا كانت مدعومة من بريطانيا (التي زودتها بالأسلحة) والاتحاد السوفيتي. الولايات المتحدة أعلنت الحياد. الحرب تحولت إلى حرب استنزاف بطيئة. تقدمت القوات النيجيرية تدريجياً. بيافرا تقلصت أكثر فأكثر. تحولت إلى جيب صغير محاصر.
💔 المجاعة: سلاح الحرب الأبشع
الحصار النيجيري خنق بيافرا. لا غذاء يدخل، لا دواء. المجاعة بدأت تفتك بالمدنيين. أصبحت بيافرا مرادفاً للجوع. صور الأطفال ذوي البطون المنتفخة والأطراف النحيلة (kwashiorkor) انتشرت في العالم. هذه الصور كانت صادمة: أول مرة يشاهد فيها الغرب مجاعة بهذا القرب على شاشات التلفزيون. رد الفعل العالمي كان هائلاً. منظمات إغاثة (الصليب الأحمر، كاريتاس، منظمات كنسية) نظمت جسراً جوياً ليلياً من جزيرة فرناندو بو (غينيا الاستوائية) إلى مطار تراب في بيافرا. طائرات قديمة (DC-3، سوبر كونستيليشن) حلقت ليلاً (لتجنب الطائرات النيجيرية) محملة بالطعام والدواء. كانت أكبر عملية إغاثة جوية مدنية في التاريخ: نقلت 60,000 طن من المساعدات، وأنقذت ملايين الأرواح. أطباء بلا حدود (Médecins Sans Frontières) تأسست أصلاً من أطباء فرنسيين عملوا في بيافرا (برنار كوشنر).
"ليس لدينا طعام. ليس لدينا دواء. ليس لدينا أمل. لكننا لن نستسلم. سنقاتل حتى آخر رجل."
🏳️ 15 يناير 1970: الاستسلام
بحلول ديسمبر 1969، كانت بيافرا قد تقلصت إلى جيب صغير. المجاعة قتلت الملايين. الجيش البيافري منهك. في 11 يناير 1970، فر أوجوكوو إلى ساحل العاج (قاد طائرة صغيرة بنفسه). ترك نائبه فيليب إيفيونغ لتسليم الاستسلام. في 15 يناير 1970، وقع إيفيونغ وثيقة الاستسلام. أعلن غوون عبارته الشهيرة: "لا غالب ولا مغلوب". أعلن عفواً عاماً. بدأت عملية إعادة الدمج: الجنود البيافريون عادوا إلى الجيش النيجيري. لم تكن هناك محاكمات انتقامية (رسمياً). بيافرا انتهت. لكن الجراح بقيت.
🏛️ إرث بيافرا
بعد 50 عاماً، جرح بيافرا لم يلتئم بالكامل. شعور التهميش في الشرق لا يزال موجوداً. في السنوات الأخيرة، عادت حركات تطالب بانفصال بيافرا (مثل حركة "شعب بيافرا الأصليين" IPOB بقيادة نامدي كانو). الحكومة النيجيرية تقمع هذه الحركات بعنف. ذكرى الحرب لا تزال مؤلمة. قصة بيافرا علمت العالم درساً: المجاعة يمكن أن تكون سلاح حرب. الصور التي التقطت هناك غيرت الطريقة التي يغطي بها الإعلام الحروب والمجاعات. وأطباء بلا حدود (التي أنقذت ملايين الأرواح منذ ذلك الحين) ولدت من رحم هذه المأساة.
أطفال بيافرا
"كانوا يسمونهم 'أطفال بيافرا': أولئك الصغار ذوي البطون المنتفخة والعيون الجاحظة والأطراف الرفيعة كالعصي. صورهم هزت ضمير العالم. كانوا يموتون بالمئات يومياً. في مخيمات الإغاثة، كان العمال يضعون الأطفال على موازين كل صباح. من بقي وزنه ثابتاً، ينجو. من نقص وزنه، يموت غالباً خلال أيام. كانت معركة يومية ضد الموت. وكما قال أحد العاملين في الإغاثة: 'لم نستطع إنقاذ الجميع. لكننا حاولنا. كل ليلة، كنا نبكي. وفي الصباح، نعود للعمل'. جيل كامل من أطفال بيافرا نجا، لكنه حمل ندوب الجوع النفسية طوال حياته."