في صباح يوم السبت 8 يوليو 1972، استقل الأديب والمناضل الفلسطيني غسان كنفاني سيارته الأوستن البيضاء مع ابنة أخته لميس (17 عاماً). كانا متجهين إلى مكان عمله في مجلة "الهدف" في بيروت. أدار كنفاني مفتاح الإشعال. في تلك اللحظة، انفجرت السيارة. كان الانفجار عنيفاً لدرجة أن الجيران سمعوا دويه في أرجاء الحي. تطايرت أجزاء السيارة، وتحولت إلى كتلة من اللهب والحديد الملتوي. غسان كنفاني، الروائي والصحفي والمتحدث الرسمي باسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، كان قد اغتيل. كان عمره 36 عاماً فقط. مع استشهاده، فقدت فلسطين ليس فقط مناضلاً سياسياً، بل أحد أعظم كتابها ومفكريها، صوتاً أدبياً فريداً نقل معاناة الشعب الفلسطيني إلى العالم بلغة إنسانية عميقة.
خلاصة الاغتيال: في الساعة 8:30 صباحاً من 8 يوليو 1972، اغتال الموساد الإسرائيلي غسان كنفاني بتفجير سيارته في منطقة الحازمية قرب بيروت. زرع العملاء عبوة ناسفة (حوالي 5 كيلوغرامات من المتفجرات البلاستيكية) موصولة بمفتاح الإشعال. عندما أدار كنفاني المفتاح، انفجرت السيارة. استشهد على الفور مع ابنة أخته لميس نجم (17 عاماً). كان الاغتيال جزءاً من عملية "غضب الله" الإسرائيلية، التي استهدفت قادة ومناضلين فلسطينيين بعد عملية ميونخ (اختطاف وقتل الرياضيين الإسرائيليين في أولمبياد ميونخ 1972). لكن اغتيال كنفاني تم قبل عملية ميونخ بشهرين، مما يثبت أنه كان مستهدفاً أساساً لدوره كمتحدث باسم الجبهة الشعبية وكرأس حربة إعلامي للمقاومة الفلسطينية.
👦 من عكا إلى المنفى: طفل النكبة
وُلد غسان كنفاني في 9 أبريل 1936 في مدينة عكا الساحلية، شمال فلسطين. كان الطفل الثالث لأسرة فلسطينية متوسطة الحال. والده، فايز كنفاني، كان محامياً، وأرسله إلى مدارس الفرير الفرنسية في يافا حيث تلقى تعليماً ممتازاً. كانت طفولته في عكا سعيدة، مليئة بذكريات البحر الأبيض المتوسط، أسوار المدينة القديمة، ورائحة البرتقال. لكن هذه الطفولة انتهت فجأة وبشكل مأساوي في مايو 1948.
عندما اندلعت حرب 1948، اضطرت عائلة كنفاني، مثل مئات الآلاف من الفلسطينيين، إلى النزوح. حملوا ما استطاعوا من أمتعة، وتركوا بيتهم في عكا، معتقدين أنهم سيعودون بعد أيام أو أسابيع. لم يعودوا أبداً. عبروا الحدود إلى لبنان، ثم إلى سوريا، واستقر بهم المقام أخيراً في دمشق. كان غسان في الثانية عشرة من عمره. تجربة النكبة واللجوء هذه طبعت حياته وأدبه إلى الأبد. قال لاحقاً: "بدأت أكتب لأنني شعرت بالحاجة إلى أن أقول شيئاً عن كل هذا".
📚 الصحفي والأديب: صوت المشردين
في دمشق، عاشت الأسرة في فقر مدقع في مخيم اليرموك للاجئين. عمل غسان في وظائف متعددة لمساعدة أسرته: عامل في مطبعة، مدرس، حتى أنه عمل في الكويت لفترة. لكنه طوال الوقت كان يكتب. حصل على الثانوية العامة، ثم درس الأدب العربي في جامعة دمشق، لكنه لم يكمل دراسته لأنه طُرد بسبب نشاطه السياسي. في عام 1955، انضم إلى حركة القوميين العرب، التي أسسها جورج حبش، والتي ستصبح لاحقاً الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.
في عام 1960، انتقل إلى بيروت، حيث بدأت مسيرته الصحفية والأدبية الحقيقية. عمل في مجلة "الحرية"، ثم "المحرر"، ثم "الأنوار". كان صحفياً لامعاً، وكاتباً سياسياً حاداً. لكن إبداعه الحقيقي تجلى في الأدب. في عام 1963، نشر روايته الأولى "رجال تحت الشمس"، التي تعتبر على نطاق واسع واحدة من أعظم الروايات العربية في القرن العشرين. الرواية تحكي قصة ثلاثة لاجئين فلسطينيين يحاولون التهريب إلى الكويت داخل صهريج ماء، ويموتون اختناقاً على الحدود. الرمزية كانت قوية ومؤثرة: الفلسطيني يموت بصمت، دون أن يصرخ، والعالم لا يسمع.
"لماذا لم يدقوا جدران الخزان؟ لماذا لم يصرخوا؟ لماذا؟"
📖 عائد إلى حيفا: البحث عن الذات
في عام 1969، نشر كنفاني واحدة من أروع أعماله: رواية "عائد إلى حيفا". تحكي قصة سعيد وصفية، زوجين فلسطينيين يعودان إلى حيفا بعد نكسة 1967، ليكتشفا أن بيتهما يسكنه الآن عائلة يهودية، وأن ابنهما خلدون، الذي تركاه وراءهما في فوضى 1948، قد تبنته عائلة يهودية وأصبح جندياً في الجيش الإسرائيلي. الرواية طرحت أسئلة عميقة عن الهوية، الانتماء، والخسارة. في النهاية، يرفض سعيد استعادة ابنه البيولوجي، مدركاً أن ابنه الحقيقي هو خالد، ابنه الآخر الذي نشأ في المخيم وأصبح فدائياً.
كتب كنفاني أيضاً روايات وقصصاً أخرى خالدة: "ما تبقى لكم"، "أم سعد" (عن أم فلسطينية مناضلة)، "عالم ليس لنا"، و"القميص المسروق". في كل أعماله، كان الصوت الفلسطيني يتحدث بلغة أدبية رفيعة، بعيداً عن الشعارات والخطاب السياسي المباشر. كان يكتب عن البشر، عن الأمهات والآباء والأطفال، عن الحب والفقد والذاكرة. بهذا، جعل من القضية الفلسطينية قضية إنسانية عالمية، وليس مجرد صراع سياسي.
🎙️ صوت المقاومة: الناطق الإعلامي للثورة
إلى جانب كونه أديباً، كان غسان كنفاني مناضلاً سياسياً بارزاً. كان عضواً في المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ومتحدثاً رسمياً باسمها. أسس مجلة "الهدف" الأسبوعية عام 1969، التي أصبحت المنبر الإعلامي الأبرز للجبهة الشعبية. من خلال مقالاته ورسومه الكاريكاتورية (كان رساماً موهوباً أيضاً)، قدم كنفاني خطاباً ثورياً متقداً، مدافعاً عن الكفاح المسلح كوسيلة لتحرير فلسطين.
هذا الدور جعله هدفاً رئيسياً لإسرائيل. لم يكن كنفاني قائداً عسكرياً، لكنه كان قائداً فكرياً. كان عقله وقلمه أكثر خطورة على إسرائيل من كثير من العمليات العسكرية. كان يجيد اللغات، ويكتب بلغة يفهمها الغرب، وينقل الرواية الفلسطينية إلى العالم. في عيون الموساد، كان كنفاني "رأساً يجب قطعه" في إطار سياسة الاغتيالات المنهجية ضد القادة الفلسطينيين.
💣 خطة الموساد: تفاصيل الاغتيال
في الأسابيع التي سبقت الاغتيال، كان الموساد يخطط للعملية بدقة. فريق من العملاء تتبع تحركات كنفاني اليومية: أين يسكن، متى يغادر بيته، أي سيارة يستخدم. اكتشفوا أنه يقود سيارة أوستن بيضاء، وأنه يوقفها أمام منزله في الحازمية. في ليلة 7 يوليو 1972، تسلل فريق من الموساد إلى بيروت (كانت إسرائيل ترسل فرق اغتيالات إلى لبنان وأوروبا بشكل روتيني في تلك الفترة).
قاموا بزرع عبوة ناسفة متطورة في سيارة كنفاني. العبوة كانت من النوع البلاستيكي (حوالي 5 كجم من Semtex أو مادة مشابهة)، مربوطة بنظام الإشعال الكهربائي للسيارة. صممت بحيث لا تنفجر إلا عندما يدير السائق المفتاح. كان هذا تكتيكاً معتاداً للموساد: ضمان أن الهدف هو الذي يقتل، وتجنب الخسائر العرضية (بقدر الإمكان). في صباح اليوم التالي، كان فريق الاغتيال قد غادر لبنان، وترك المهمة للعبوة.
💔 لميس: الطفلة التي ذهبت معه
في ذلك الصباح المشؤوم، كانت لميس نجم، ابنة أخت غسان، في السابعة عشرة من عمرها. كانت طالبة جامعية، وقد طلبت من خالها أن يوصلها إلى الجامعة في طريقه إلى العمل. كانت تكن لكنفاني حباً كبيراً، وكان يعاملها كابنته. ركبت معه السيارة. عندما أدار كنفاني المفتاح، كان الانفجار. استشهدت لميس مع خالها. كان مقتلها تفصيلاً مأساوياً أضاف بعداً أعمق للجريمة: لم يكن الموساد يستهدف مقاتلاً فقط، بل قتل طفلة بريئة لم تشارك في أي عمل سياسي.
شقيق غسان وزوجته (والدا لميس) كانا في المنزل عندما سمعا الانفجار. هرعوا إلى الخارج ليجدوا ابنتهم وغسان قد تحولا إلى أشلاء. المشهد كان مروعاً. في جنازتهما، خرجت بيروت كلها. آلاف الفلسطينيين واللبنانيين والعرب شيَّعوا الجثمانين. كانت لحظة حزن وغضب عارمين. لكنها كانت أيضاً لحظة إصرار: صوت كنفاني لن يموت.
الشهيدان
"في الانفجار، استشهد غسان كنفاني (36 عاماً) وابنة أخته لميس نجم (17 عاماً). كانا معاً في الحياة كما في الموت. لم تكن لميس مقاتلة ولا ناشطة سياسية. كانت مجرد فتاة صغيرة في طريقها إلى الجامعة. لكن في حرب لا تعرف الرحمة، وفي صراع لا يميز بين المقاتل والمدني، سقطت لميس كما سقط آلاف الأطفال الفلسطينيين قبلها وبعدها. موتها جعل من اغتيال كنفاني ليس مجرد عملية سياسية، بل جريمة إنسانية كاملة."
🌍 السياق: عملية غضب الله والاغتيالات الإسرائيلية
رغم أن اغتيال كنفاني وقع قبل عملية ميونخ (سبتمبر 1972)، إلا أنه يعتبر جزءاً من حملة الاغتيالات الإسرائيلية الواسعة التي استهدفت قادة فلسطينيين في السبعينيات. بعد ميونخ، أطلقت إسرائيل رسمياً "عملية غضب الله"، بقيادة رئيسة الوزراء غولدا مائير. اغتيل خلالها عدد من القادة الفلسطينيين: كمال عدوان، كمال ناصر، أبو يوسف النجار (عملية فردان في بيروت 1973)، وعلي حسن سلامة (1979)، وغيرهم كثير.
لكن كنفاني كان مختلفاً. لم يكن قائداً عسكرياً، بل كان كاتباً وصحفياً. اغتياله كان اغتيالاً للكلمة، وللثقافة، وللرواية الفلسطينية. كان رسالة واضحة من إسرائيل: كل فلسطيني بارز، سواء كان يحمل بندقية أو قلماً، هو هدف مشروع. وأي شخص يجرؤ على الدفاع عن الحق الفلسطيني سيدفع الثمن. لكن هذه السياسة فشلت في تحقيق هدفها. بعد 50 عاماً من اغتياله، لا تزال روايات غسان كنفاني تُقرأ وتُدرَّس وتُلهم أجيالاً جديدة من القراء والمناضلين.
📜 إرث كنفاني: الكلمة التي لم تمت
بعد 50 عاماً على اغتياله، يظل غسان كنفاني واحداً من أعظم الكتاب العرب في القرن العشرين. تُرجمت أعماله إلى عشرات اللغات. "رجال تحت الشمس" و"عائد إلى حيفا" لا تزالان تُدرَّسان في الجامعات العربية والعالمية. في عام 2013، أصدرت اليونسكو طابعاً تذكارياً يحمل صورته ضمن سلسلة "شخصيات عظيمة". في المخيمات الفلسطينية، ملصقاته لا تزال معلقة، وعباراته لا تزال مكتوبة على الجدران.
ربما كان أعظم انتصار لكنفاني على قاتليه هو أن كلماته بقيت حية بينما ناموا هم في مزابل التاريخ. كتب مرة: "إنهم يريدونني أن أتوقف عن الكتابة، لكني أكتب لأحيا". وهو حي، بالفعل، في كل قارئ يفتح إحدى رواياته، في كل شاب فلسطيني يجد في كلماته تعبيراً عن ألمه وأمله، في كل إنسان في العالم يقرأ عن معاناة الشعب الفلسطيني بعيون غسان كنفاني الإنسانية العميقة. الموساد قتل الجسد، لكنه لم يستطع قتل الكلمة. والكلمة، كما قال كنفاني نفسه، "ليست أقل خطراً من البندقية، بل ربما كانت أكثر".
من أقوال غسان كنفاني الخالدة: "إنهم يريدونني أن أتوقف عن الكتابة، لكي لا يعرف العالم ماذا يحدث هنا. ولكنني أكتب لأحيا، وأكتب لأحكي للعالم ما يجري". "في تلك الليلة، لم يكن هناك مكان للكلام. كان هناك فقط البكاء. نبكي على كل شيء ضاع منا، على بيوتنا، على شوارعنا، على طفولتنا التي ماتت قبل أن تكتمل". "كل إنسان في هذا العالم له الحق في أن يعيش بكرامة على أرضه، أو أن يموت بكرامة في سبيل استعادتها". "الوطن ليس مجرد أرض، بل هو الذاكرة والهوية والانتماء. يمكن أن تسلب منك الأرض، لكن لا أحد يستطيع سلب ذاكرتك".