storydz.com | وثائقيات تاريخية موثقة
🇸🇦 🇬🇧 🇫🇷
📖 قصص أونلاين | storydz.com

💥 اغتيال رفيق الحريري

14 فبراير 2005 - يوم هزّ لبنان والعالم

في ظهيرة يوم الاثنين الرابع عشر من فبراير عام 2005، كان موكب رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري يمر بجوار فندق "سانت جورج" في منطقة كورنيش بيروت. فجأة، انفجرت شاحنة مفخخة محملة بما يعادل 1000 كيلوغرام من مادة "تي إن تي"، محدثة دويّاً هزّ أرجاء العاصمة. تحولت الشوارع المحيطة إلى كابوس من الدمار واللهب والدماء. قُتل الحريري مع 21 آخرين، وأصيب أكثر من 220 شخصاً. كان اغتيال الحريري الحدث الأكثر دراماتيكية في لبنان منذ الحرب الأهلية (1975-1990)، وأدى إلى موجة احتجاجات غير مسبوقة عُرفت بـ"ثورة الأرز"، وأجبرت القوات السورية على الانسحاب من لبنان بعد 29 عاماً من الوجود العسكري. لكن حتى اليوم، وبعد مرور ما يقرب من عقدين، لا تزال تفاصيل الجريمة وأبعادها محل جدل وتكهنات.

خلاصة الاغتيال: اغتيل رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري في انفجار شاحنة مفخخة بوسط بيروت في 14 فبراير 2005. قُتل معه 21 شخصاً بينهم وزير الاقتصاد السابق باسل فليحان. أدى الاغتيال إلى "ثورة الأرز" التي أطاحت بالوجود السوري في لبنان. أدانت المحكمة الدولية الخاصة بلبنان (STL) في 2020 عضواً في حزب الله بتهمة التورط في الجريمة، لكن الحزب نفى مسؤوليته.

👤 رفيق الحريري: من متعهد بناء إلى مهندس إعمار لبنان

وُلد رفيق بهاء الدين الحريري في 1 نوفمبر 1944 في مدينة صيدا جنوب لبنان. ينحدر من عائلة متوسطة الحال. انتقل إلى السعودية في الستينيات، حيث بدأ في قطاع المقاولات والتشييد، وأسس شركة "سعودي أوجيه" التي أصبحت واحدة من أكبر شركات البناء في المملكة. ثروته الطائلة جعلته قريباً من العائلة المالكة السعودية، واكتسب جنسية سعودية إلى جانب جنسيته اللبنانية.

بعد انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية، عاد الحريري إلى وطنه. في 1992، وبضغط سعودي ودولي، عُيّن رئيساً لوزراء لبنان (لأول مرة). بدأ عصر "الإعمار الكبير"، حيث أشرف على إعادة بناء وسط بيروت المدمر، وإنشاء الطرق السريعة، والمطار، ومشاريع عقارية ضخمة. حظي الحريري بشعبية كبيرة بين السنّة وأوساط التجار والطبقة الوسطى، لكنه تعرض لانتقادات من خصومه السياسيين (خاصة من التيار العروبي والتيار الماروني المتشدد) بسبب استئثاره بقرارات الدولة وهيمنة شركاته على عقود الإعمار.

استمر الحريري في رئاسة الحكومة فترات متقطعة تدخلت فيها الخلافات مع الرئيس إميل لحود والرئيس الماروني (كانت صراعات حادة بينهما)، ومع النفوذ السوري المهيمن على القرار اللبناني. في أكتوبر 2004، أُجري تعديل للدستور لتمديد ولاية الرئيس لحود، وهو التعديل الذي عارضه الحريري واحتج عليه، مما أدى إلى استقالته من منصبه وانتقاله إلى المعارضة. وبعد استقالته، كثرت تسريبات عن تلقيه تهديدات بالقتل من مسؤولين سوريين.

"لن أركع. لا للسيادة، لا للوصاية. لبنان يستحق أفضل من هذا."

— رفيق الحريري في آخر خطاب له قبل أيام من اغتياله

💣 يوم الاغتيال: 14 فبراير 2005

12:30 ظهراًالحريري يغادر منزله في منطقة قريطم متوجهاً إلى البرلمان
12:55 ظهراًالموكب يصل إلى كورنيش بيروت قرب فندق سانت جورج
12:56 ظهراًانفجار هائل تهتز منه أرجاء بيروت
13:00 ظهراًحريق ودمار في محيط نصف كيلومتر
13:10 ظهراًوصول سيارات الإسعاف ونقل الجرحى والضحايا
مساءًإعلان وفاة الحريري و21 من مرافقيه

استُخدمت شاحنة مفخخة خضراء من طراز "ميتسوبيشي كانتر"، حُملت بما لا يقل عن 1000 كيلوغرام من المتفجرات عالية الانفجار. انفجرت الشاحنة عندما كان موكب الحريري (المكون من 12 سيارة مصفحة) يمر أمامها. أحدث الانفجار حفرة عمقها 10 أمتار وعرضها 15 متراً. تضررت مباني كثيرة ضمن دائرة نصف كيلومتر. عُثر على جثة الحريري تحت أنقاض سيارته المصفحة (مرسيدس S600) التي تحولت إلى كتلة حديد محترقة. كما لقي مصرعه معه 21 شخصاً آخرون، أبرزهم وزير الاقتصاد الأسبق باسل فليحان، وعدد من حراسه الشخصيين.

قوة الانفجار المدمرة

قُدرت قوة الانفجار بما يعادل 1000 كيلوغرام من مادة TNT. دمر الانفجار 20 سيارة، وحطم واجهات 60 محلاً تجارياً، وانهار مبنى بالكامل، ومئات الشقق تضررت. تم انتشال بعض الجثث من تحت الأنقاض لأسابيع. كانت أكبر عملية اغتيال في الشرق الأوسط منذ اغتيال السادات 1981.

📢 "ثورة الأرز": انتفاضة ضد الوصاية السورية

أثار اغتيال الحريري غضباً شعبياً هائلاً في لبنان. اتهمت الغالبية العظمى من السنة وبعض المسيحيين (تيار المستقبل والقوات اللبنانية) سوريا وحلفاءها في لبنان بالوقوف وراء الاغتيال. في 14 مارس 2005 (بعد شهر بالضبط)، خرج أكثر من مليون لبناني إلى شوارع بيروت في أكبر تظاهرة في تاريخ لبنان. رفعوا الأعلام اللبنانية (وعلم الأرز) مطالبين بـ"الحقيقة، العدالة، الاستقلال، وانسحاب القوات السورية". أُطلق على هذه التظاهرة اسم "ثورة الأرز" أو "انتفاضة الاستقلال". تلت ذلك مظاهرات مضادة (أقل حجماً) مؤيدة لسوريا نظمها حزب الله.

تحت الضغط الدولي الكبير (خاصة من الولايات المتحدة وفرنسا اللتين أصدرتا القرار 1559 لمجلس الأمن)، أعلنت سوريا انسحاب قواتها من لبنان في أبريل 2005، لتنهي بذلك 29 عاماً من الوجود العسكري والهيمنة السياسية. لكن بعض الأطراف (حزب الله والتيار الوطني الحر) اعتبروا أن الضغوط الخارجية كانت تهدف إلى "تفكيك محور المقاومة". ظل لبنان منقسماً بين معسكر "14 مارس" (المعارض لسوريا) ومعسكر "8 مارس" (المؤيد لسوريا) لسنوات طويلة.

القرار 1559: صدر عن مجلس الأمن الدولي في 2 سبتمبر 2004 وطلب انسحاب جميع القوات الأجنبية من لبنان ونزع سلاح الميليشيات. اعتبرت سوريا القرار تدخلاً في شؤونها، وحزب الله رفض نزع سلاحه واعتبره "سلاح مقاومة".

🔍 التحقيق الدولي والمحكمة الدولية

بعد أيام من الاغتيال، طلب لبنان من الأمم المتحدة تشكيل لجنة تحقيق دولية. عُين القاضي الألماني ديتليف ميليس (وتبعه القاضي البلجيكي سيرج براميرتز) للتحقيق. في أكتوبر 2005، أصدر تقرير ميليس الذي اتهم مسؤولين سوريين ولبنانيين بـ"التورط المباشر" في الاغتيال. لكن سوريا نفت بشدة أي علاقة لها بالجريمة. استمرت التحقيقات سنوات، وتحولت إلى "المحكمة الدولية الخاصة بلبنان" (STL) التي انطلقت في 2009 في لاهاي.

في أغسطس 2020 (بعد 15 سنة من الاغتيال)، أصدرت المحكمة حكمها الأول: أدانت عضواً واحداً من حزب الله (سليم عياش) بتهمة التخطيط للاغتيال وارتكابه، بينما برأت المتهمين الأربعة الآخرين (مصطفى بدر الدين، حسين عنيسي، أسعد صبرا، حسن حبيب merk). رفض حزب الله الحكم واعتبره "سياسياً"، ورفض تسليم عياش. كما ذكرت المحكمة أنه "لا توجد أدلة على تورط قادة سوريين أو لبنانيين كبار"، لكنها قالت أن "الدافع وراء الاغتيال كان المناخ السياسي السائد في ذلك الوقت".

"لقد أنزلنا حكماً تاريخياً. كل من تورط في هذه الجريمة البشعة سيدفع الثمن، بغض النظر عن موقعه."

— قاضي المحكمة الدولية، أغسطس 2020

🔗 نظريات التآمر حول الاغتيال

على مدار أكثر من 15 عاماً، ظهرت العديد من النظريات حول الجهة التي تقف خلف اغتيال الحريري:

النظرية الأولى (السورية المباشرة): اتهمت المعارضة اللبنانية (تيار المستقبل) سوريا بالتخطيط المباشر للاغتيال بسبب عداوة الحريري للوجود السوري. وقدمت أدلة على تهديدات وجهتها المخابرات السورية للحريري قبل أشهر من الاغتيال. كما أشارت إلى تورط ضباط سوريين في التحضير للعملية.

النظرية الثانية (حزب الله): بعض التقارير الاستخباراتية (خاصة الأمريكية والألمانية) رجحت أن عناصر من حزب الله نفذوا العملية بالتعاون مع المخابرات السورية. انعكس ذلك في حكم المحكمة الدولية الذي أدان عضواً في حزب الله. لكن حزب الله ينفي بشدة أي علاقة له بالجريمة ويقول إن المحكمة مسيّسة.

النظرية الثالثة (الانتحار أو "عملية داخلية"): بعض النظريات المتطرفة تقول إن الحريري دبر عملية اغتياله بنفسه لتحقيق مكاسب سياسية. لكن لا يوجد دليل على ذلك، ويبدو غير معقول لأن العملية قتلت معه 21 شخصاً بينهم مستشاروه المقربون.

النظرية الرابعة (إسرائيلية) تحوم حول تدخل الموساد الإسرائيلي لزعزعة استقرار لبنان. لكن غياب الأدلة القوية يجعلها نظرية هامشية.

الغموض مستمر

حتى بعد حكم المحكمة الدولية، لا يزال كثيرون في لبنان والعالم يشككون في الرواية الرسمية، ويتهمون المحكمة بالانحياز وعدم تقديم "الدليل القاطع". الأسئلة لا تزال مفتوحة: من أمر؟ من نفذ؟ لماذا؟ وهل سنعرف الحقيقة يوماً ما؟

👨‍👦 سعد الحريري: إرث الأب ومسيرة الابن

بعد اغتيال والده، دخل نجله الأكبر سعد الحريري عالم السياسة. قاد تيار "المستقبل" (الذي أسسه والده)، وفاز بأغلبية نيابية في 2005 و2009. شغل منصب رئيس الوزراء عدة مرات (2009-2011، 2016-2018، 2019-2020). في 2017، أعلن استقالته المفاجئة من السعودية (أثارت جدلاً) لكنه تراجع عنها لاحقاً. في 2022، أعلن اعتزال العمل السياسي وعدم الترشح للانتخابات، تاركاً الساحة السياسية لخصومه. كان ولاؤه الكبير للسعودية وعودته السياسية محدودة بفعل تزايد نفوذ حزب الله وإيران في لبنان.

"ثورة الأرز" ومحمود عباس: قادت "ثورة الأرز" لإضعاف النفوذ السوري في لبنان، لكنها لم تقضِ على النفوذ الإيراني عبر حزب الله. الانقسام السياسي اللبناني لا يزال عميقاً بين "14 مارس" و"8 مارس"، ولبنان غارق في أزمة اقتصادية وسياسية غير مسبوقة منذ 2019. كثيرون في لبنان يتذكرون عهد الحريري كـ"عهد ذهبي" مقارنة بالفوضى والانهيار الحاليين.

💥 آثار الاغتيال: فوضى لبنان الدائمة

لم يقتصر تأثير اغتيال الحريري على الفور؛ بل ترك جراحاً عميقة في لبنان:

انقسام سياسي حاد: رسّخ الاغتيال الانقسام بين فريقي 14 مارس و8 مارس، مما أدى إلى الجمود السياسي وشلل الحكومات المتعددة، والأزمة الاقتصادية التي أعقبت ذلك.

سلسلة اغتيالات سياسية أخرى: بعد اغتيال الحريري، اغتيل شخصيات معارضة أخرى مؤيدة لسوريا (مثل النائب أنطوان غانم، الوزير بيار الجميل، الصحفي سمير قصير، العميد فرانسوا الحاج). ألقي باللوم بشكل متبادل بين الطرفين، وزادت الفوضى الأمنية.

تدخل دولي ساخن: أصبح لبنان مسرحاً لصراع نفوذ بين السعودية (داعمة لتيار المستقبل و14 مارس) وإيران (داعمة لحزب الله). كان الاغتيال إيذاناً بدخول المنطقة في دوامة صراع عميل.

انفجار مرفأ بيروت 2020: ليس له علاقة مباشرة بالاغتيال، لكن جاء في المنطقة الجغرافية ذاتها (ميناء بيروت) وأعاد إحياء الجدل حول القدر المجهول وقدر لبنان بالمآسي.

"لن أنسى صوت الانفجار. في ثوانٍ، انهار كل شيء. كل ما بناه الحريري خلال عقد من الزمان تحول رماداً."

— أحد الناجين من الانفجار

🕊️ ماذا بقي من الحريري؟

لطالما صور أنصار الحريري الراحل صورة رجل دولة يحب لبنان ويعمل على رفاهيته. يرون فيه "مهندس إعمار بيروت" وبطل "ثورة الأرز". خصومه يتهمونه بالفساد وهدر المال العام، وتمركز الثروة بين أفراد عائلته. لا يزال ضريح الحريري في وسط بيروت المقابل لموقع اغتياله مزاراً يومياً للمحبين، ويقوم بزيارته سنوياً آلاف اللبنانيين في ذكرى اغتياله. لكن مع خروج تيار المستقبل من السلطة واعتزال سعد الحريري، تراجعت شعبية العائلة شيئاً فشيئاً. بقيت ذكرى الحريري مصدر إلهام للبعض وغصة للبعض.

بعد 15 عاماً من التحقيق والجلسات، ثم تفجير مرفأ بيروت المدمر (2020)، يبدو أن لبنان يغرق في أزمات أكبر من أن تبقي تفاصيل اغتيال الحريري على رأس الأولويات. لكن صوت العدالة لم يمت تماماً. ومع محاكمة سليم عياش غيابياً ورفض تسليمه، تبقى قضية الحريري مفتوحة على نهاية غير مضمونة. يبقى لبنان يتأرجح بين ذكرى عصر إعمار الحريري وأحلام لم تتحقق.

القصة التالية:

اغتيال الرئيس جون كينيدي - لغز القرن العشرين
العودة إلى الصفحة الرئيسية