storydz.com | وثائقيات تاريخية موثقة
📖 قصص أونلاين | storydz.com

🦠 الإنفلونزا الإسبانية 1918

الوباء الذي قتل 50 مليون إنسان في 18 شهراً

إذا قُدِّر لك أن تعيش في عام 1918، فأنت واحد من أكثر البشر حظاً سيئاً في التاريخ. العالم كان يمزقه أشرس حرب شهدتها البشرية حتى ذلك الحين (الحرب العالمية الأولى). لكن في ربيع 1918، ظهر عدو جديد لا يُرى بالعين المجردة: فيروس إنفلونزا من النوع H1N1. خلال 18 شهراً فقط، قتل هذا الفيروس بين 50 و100 مليون إنسان - أكثر من 3 أضعاف قتلى الحرب (16 مليون). كان أخطر وباء في تاريخ البشرية منذ الطاعون الأسود في القرن الرابع عشر. ثلث سكان العالم (500 مليون شخص) أصيبوا به. لكن هذا الوباء كان غريباً ومخيفاً: على عكس الإنفلونزا العادية التي تقتل الأطفال وكبار السن، كانت "الإنفلونزا الإسبانية" تقتل الشباب الأصحاء (20-40 سنة). كانت تهاجم جهاز المناعة القوي وتجعله يدمر الرئتين. الضحايا كانوا يموتون مختنقين بسوائل رئاتهم، تتحول بشرتهم إلى الأزرق ثم الأسود. سميت "بالإسبانية" ليس لأنها بدأت في إسبانيا، بل لأن إسبانيا (المحايدة في الحرب) كانت الدولة الوحيدة التي سمحت لصحافتها بالكتابة عن الوباء. دول الحرب (أمريكا، بريطانيا، فرنسا، ألمانيا) أخفت الأخبار خوفاً على الروح المعنوية لجنودها. هكذا، حملت إسبانيا البريئة اسم أسوأ وباء في التاريخ.

خلاصة الوباء: فيروس H1N1 (إنفلونزا الطيور). 3 موجات: الربيع 1918 (خفيفة)، الخريف 1918 (الموجة القاتلة: 90% من الوفيات)، الشتاء 1919 (متوسطة). 500 مليون إصابة (ثلث سكان العالم). 50-100 مليون وفاة (تقديرات حديثة). أكثر من ضحايا الحربين العالميتين مجتمعتين. متوسط عمر الضحايا: 28 سنة. دول كاملة أقفلت. جنود في الخنادق ماتوا بالآلاف. أسباب الانتشار: الحرب (تحركات الجيوش)، المستشفيات الميدانية، المراكز الحضرية المكتظة. انتهى الوباء فجأة في 1920 (ربما بسبب مناعة القطيع بعد إصابة ثلث البشرية). الفيروس ظل غامضاً حتى 2005 عندما أعاد علماء تكوينه من جثث محفوظة في التربة الصقيعية في ألاسكا.

🇪🇸 لماذا "الإسبانية" وهي لم تبدأ في إسبانيا؟

أصل التسمية هو واحد من أكبر المظالم التاريخية. الفيروس على الأرجح بدأ في معسكر للجيش الأمريكي في فانستون، كانساس (مارس 1918). أول حالة مسجلة: الجندي ألبرت غيتشيل (طباخ في المعسكر). من هناك، نقلته القوات الأمريكية إلى أوروبا على متن سفن مكتظة. لكن لماذا سميت "إسبانية"؟ إسبانيا كانت محايدة في الحرب. لم تفرض رقابة عسكرية على الصحافة كما فعلت أمريكا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا. عندما ضرب الوباء إسبانيا (وأصاب الملك ألفونسو الثالث عشر نفسه)، كتبت الصحف الإسبانية بحرية عن "المرض الغامض". العالم - الذي كان يقرأ الصحف الإسبانية فقط - افترض أن إسبانيا هي المصدر. هكذا علق الاسم. في إسبانيا نفسها، كانوا يسمونه "إنفلونزا الفرنسيين". كل دولة ألقت باللوم على أعدائها.

«كانوا يموتون بسرعة مرعبة. في الصباح أصحاء، في المساء موتى. أطباء الحرب العالمية الأولى - الذين رأوا أبشع الجروح - وقفوا عاجزين أمام هذا العدو الخفي.»

— مذكرات ممرضة أمريكية، أكتوبر 1918

☠️ الموجة الثانية: الخريف القاتل (سبتمبر-نوفمبر 1918)

الموجة الأولى (ربيع 1918) كانت خفيفة نسبياً. لكن الفيروس تحور. في سبتمبر 1918، عاد بشكل مرعب. هذه المرة، لم يكن يستهدف فقط الجهاز التنفسي. كان يثير "عاصفة خلوية" (cytokine storm): الجهاز المناعي القوي (عند الشباب) يبالغ في رد الفعل، فيهاجم الرئتين ويملؤهما بالسوائل. الضحايا كانوا يغرقون حرفياً من الداخل. الأعراض كانت مروعة: حمى شديدة (40+ درجة)، ألم في كل عضلات الجسم، سعال دموي، نزيف من الأنف والأذنين والعينين، ازرقاق الجلد (نقص الأكسجين)، ثم الموت خلال 24-48 ساعة. في فيلادلفيا (أكتوبر 1918)، مات 12,000 شخص في شهر واحد. الجثث تراكمت في الشوارع. لم تكن هناك توابيت كافية. حفروا مقابر جماعية بالجرافات. في يوم واحد (10 أكتوبر)، مات 759 شخصاً في فيلادلفيا وحدها. المشهد كان أشبه بنهاية العالم.

👶 من مات؟ الشباب الأصحاء هم الضحايا

هذا كان أكثر ما أرعب الأطباء: الإنفلونزا الإسبانية لم تكن تقتل الأطفال الصغار وكبار السن (مثل الإنفلونزا العادية). كانت تقتل الشباب (20-40 سنة) ذوي أجهزة المناعة القوية. لماذا؟ لأن جهاز المناعة القوي هو الذي ينتج "العاصفة الخلوية" القاتلة. النساء الحوامل كن الأكثر عرضة للخطر (معدل وفيات 50-70%). 99% من الوفيات كانت تحت سن 65. نصف الوفيات كانت بين 20-40 سنة. متوسط عمر الضحية: 28 سنة. هذا يعني أن جيلاً كاملاً من الشباب - الذين نجوا من الحرب - ماتوا في بيوتهم. مدن كاملة فقدت شبابها. في بعض القرى في ألاسكا وأفريقيا، مات كل السكان. قبائل كاملة انقرضت.

🎭 آثار جانبية غريبة: هل غير الوباء تاريخ الفن والأدب؟

بعض المؤرخين يعتقدون أن الإنفلونزا الإسبانية غيرت الثقافة العالمية. عدد هائل من الفنانين والكتاب والمفكرين أصيبوا (بعضهم مات، بعضهم نجا بتأثيرات عصبية). والت ديزني (16 سنة) أصيب ونجا. فرانكلين روزفلت (مساعد وزير البحرية) أصيب ونجا. المهاتما غاندي أصيب ونجا. الرسام النمساوي إيغون شيلي مات عن 28 سنة. الشاعر الفرنسي غيوم أبولينير مات عن 38 سنة. لو نجا هؤلاء، كيف كان سيبدو الفن والأدب والسياسة في القرن العشرين؟ في المقابل، أدولف هتلر (29 سنة وقتها) لم يصب. كان في مستشفى عسكري يتعافى من هجوم بالغاز. لو أصيب ومات، هل كانت ستقوم الحرب العالمية الثانية؟ أسئلة "ماذا لو" تطارد هذا الوباء.

مدن الموتى: أسبوع في أكتوبر 1918

"في أكتوبر 1918، كان المشهد في المدن الأمريكية مرعباً. المدارس والكنائس والمسارح أغلقت. التجمعات منعت. الناس لبسوا أقنعة (الشاش القطني). في سان فرانسيسكو، كانت غرامة عدم ارتداء القناع 5 دولارات. لكن لا شيء أوقف الفيروس. الهاتف توقف (الموظفون ماتوا). البريد تأخر. القمامة تراكمت (عمال النظافة ماتوا). حفارو القبور لم يستطيعوا مواكبة الموت. في فيلادلفيا، كانت عربات تجرها الخيول تجوب الشوارع وتصرخ: 'أخرجوا موتاكم!' الجثث كانت تلف بملاءات وتوضع على الأرصفة. هذه ليست مشاهد من فيلم رعب. هذه حقيقة 1918."

🔬 اللغز العلمي: 87 عاماً من الغموض

لماذا كانت الإنفلونزا الإسبانية بهذه الشراسة؟ ظل هذا لغزاً علمياً حتى 2005. في تلك السنة، نجح فريق من العلماء (بقيادة جيفري توبنبرغر) في إعادة تكوين فيروس 1918 بالكامل. كيف؟ أخذوا عينات من الحمض النووي للفيروس من جثث ضحايا محفوظة في التربة الصقيعية في ألاسكا (مدينة برفيغ ميشن، حيث مات 72 من 80 بالغاً في أسبوع واحد). درسوا الفيروس. وجدوا أنه H1N1 (إنفلونزا الطيور التي تحورت لتصيب البشر). الفيروس كان قادراً على التكاثر بعمق في الرئتين (وليس فقط في الجهاز التنفسي العلوي مثل الإنفلونزا العادية). هذا يفسر لماذا كان مميتاً جداً. اليوم، عينات من فيروس 1918 محفوظة في مختبرات CDC (مراكز مكافحة الأمراض) في أتلانتا تحت حراسة مشددة. بعض العلماء يخشون تسربه. آخرون يقولون إن دراسته ضرورية لمنع جائحة قادمة.

50 مليون
أقل تقدير للقتلى
500 مليون
عدد الإصابات
28 سنة
متوسط عمر الضحايا
18 شهراً
مدة الجائحة

القصة التالية:

انفجار هاليفاكس 1917 - أكبر انفجار بشري قبل القنبلة النووية
العودة إلى الصفحة الرئيسية