في يوم الجمعة 27 رجب 583 هـ (2 أكتوبر 1187م)، دخل صلاح الدين الأيوبي القدس منتصراً بعد أن حررها من الاحتلال الصليبي الذي دام 88 عاماً (1099-1187). كان هذا اليوم تتويجاً لمسيرة طويلة. قبل 88 عاماً، كان الصليبيون قد ارتكبوا مذبحة مروعة في القدس عام 1099 (قتلوا 70,000 نفس في يوم واحد)، والآن عادت القدس إلى المسلمين. لم ينتقم. لم يذبح. لم يحرق. بل فتح الأبواب بسلام، وعفا عن معظم الصليبيين، وأعاد المسجد الأقصى إلى ما كان عليه. هذه قصة النسر الذي حرر القدس، القائد الذي وحد المسلمين، وأذهل أعداءه برحمته.
خلاصة المعركة: بدأت حملة تحرير القدس بهزيمة الصليبيين في معركة حطين (4 يوليو 1187). دمر صلاح الدين الجيش الصليبي بالكامل في معركة فاصلة استمرت يومين. حاصر القدس 12 يوماً. دخلها يوم 2 أكتوبر 1187. عفا عن معظم السكان مقابل فدية رمزية. فتح أقدس مدينة في المسيحية بعد 88 عاماً من الاحتلال. الفاتح الذي لم ينتقم أصبح أسطورة خالدة في الشرق والغرب.
👑 من هو صلاح الدين الأيوبي
ولد يوسف بن أيوب (صلاح الدين) عام 1137م في تكريت (العراق الحالية) لأسرة كردية مسلمة. نشأ في بلاط نور الدين زنكي في دمشق، وتعلم الفروسية والقرآن والعلوم. أظهر منذ شبابه ذكاء وطموحاً. أرسله نور الدين إلى مصر عام 1169م مع عمه شيركوه لمواجهة الصليبيين. أصبح وزيراً للخليفة الفاطمي وهو في الثانية والثلاثين من عمره.
بعد وفاة الخليفة الفاطمي، ألغى صلاح الدين الخلافة الفاطمية الشيعية وأعاد مصر إلى الحظيرة السنية العباسية. ثم بدأ في توحيد الشام. بعد وفاة نور الدين (1174م)، أعلن صلاح الدين نفسه وريثاً لمشروع نور الدين: تحرير القدس. استغرق الأمر 12 عاماً لتوحيد مصر والشام واليمن. كان صلاح الدين يدرك أنه لا يمكن تحرير القدس بدون وحدة إسلامية شاملة.
⚔️ معركة حطين: القاضية الكبرى
في 4 يوليو 1187 (26 ربيع الثاني 583 هـ)، وقعت المعركة الفاصلة: حطين. قاد صلاح الدين جيشاً إسلامياً موحداً قوامه 30,000 مقاتل (منهم 12,000 فارس). في المقابل، جمع الصليبيون أكبر جيش لهم: حوالي 20,000 مقاتل بقيادة ملك القدس غي دي لوزينيان. لكن صلاح الدين اختار أرض المعركة بذكاء: منطقة جافة قرب قرية حطين في الجليل. قطع الماء عن الصليبيين. أشعل النار في الشجيرات. كان الحر شديداً. ارتكب الصليبيون خطأ قاتلاً: تركوا موقعهم الحصين وساروا في الصحراء طوال الليل.
في الصباح، حاصرهم جيش صلاح الدين من كل جانب. استسلم الجيش الصليبي بأكمله. أسر ملك القدس غي دي لوزينيان. أسر أرناط (صاحب قلعة الكرك) الذي كان أخطر عدو. قتل صلاح الدين أرناط بيده (لأنه نكث العهود وهاجم قوافل الحجاج). أما الملك غي، فأكرمه وقال: "الملوك لا يقتلون الملوك". كانت حطين نصراً ساحقاً دمر القدرة العسكرية الصليبية في الشام.
"إننا نعطي الأمان لمن طلبه، ونقاتل من قاتلنا. هكذا علمنا ديننا."
🏙️ حصار القدس: 12 يوماً
بعد حطين، سار صلاح الدين لتحرير المدن الساحلية. في 20 سبتمبر 1187، وصل إلى القدس. كانت المدينة محصنة بأسوار ضخمة. قاد الدفاع باليان دي إبلين (أحد النبلاء الصليبيين القلائل الذين نجوا من حطين). استمر الحصار 12 يوماً. حفر المسلمون أنفاقاً تحت الأسوار. انهار جزء من السور الشمالي (قرب باب العامود، نفس المكان الذي دخل منه الصليبيون عام 1099).
في 2 أكتوبر، استسلمت المدينة. دخلها صلاح الدين في ذكرى الإسراء والمعراج (27 رجب). منع القتل والنهب. عفا عن المسيحيين. حدد فدية رمزية: 10 دنانير للرجل، 5 للمرأة، 2 للطفل. عفا عن آلاف الفقراء. عندما رأى البطريرك اللاتيني يغادر القدس محملاً بثروات الكنائس، قال صلاح الدين لمستشاريه: "دعوه يأخذها، لا نريد أن يقال إن صلاح الدين غدر". دفع ثمن تحرير آلاف الأسرى الفقراء من ماله الخاص. في 88 عاماً، كان الصليبيون قد حولوا المسجد الأقصى إلى إسطبل (ووضعوا الصليب على قبة الصخرة). أعاد صلاح الدين تطهيره وإعادته مسجداً. أزيل الصليب. عاد الآذان يصدح.
🦁 الحملة الصليبية الثالثة: ريتشارد قلب الأسد
صدم سقوط القدس أوروبا. أطلق البابا حملة صليبية ثالثة (1189-1192). قادها أعظم ثلاثة ملوك في أوروبا: ريتشارد قلب الأسد (إنجلترا)، فيليب أوغسطس (فرنسا)، وفريدريك بربروسا (ألمانيا). فشل فريدريك (غرق في نهر). نجح ريتشارد وفيليب في الوصول إلى الشام.
كانت المواجهة بين صلاح الدين وريتشارد أسطورية. احترم كل منهما الآخر. أرسل صلاح الدين طبيباً إلى ريتشارد عندما مرض. حاصر ريتشارد عكا (1191) وأعدم 2700 أسير مسلم بدم بارد. استعاد عكا ويافا. لكنه فشل في استعادة القدس. دارت معارك كر وفر. انتهت بصلح الرملة (1192): بقيت القدس في يد المسلمين، مع السماح للحجاج المسيحيين بزيارتها. عاد ريتشارد إلى إنجلترا. توفي صلاح الدين في دمشق (1193) عن 56 عاماً.
موت الفاتح
"في 4 مارس 1193 (27 صفر 589 هـ)، توفي صلاح الدين الأيوبي في دمشق عن عمر 56 عاماً. لم يترك في خزينته سوى 47 درهماً وديناراً واحداً. هذا الرجل الذي حكم مصر والشام واليمن لم يمتلك قصراً ولا أرضاً. كُتب على قبره: 'اللهم ارحم هذا الملك الذي فتح القدس وأعز دينك'. أرعب أوروبا، لكنه كسب احترام أعدائه. بقي صلاح الدين أسطورة تجاوزت التاريخ."
🏛️ إرث صلاح الدين الخالد
صلاح الدين لم يترك ثروة. ترك إرثاً. ترك نموذجاً للفروسية الإسلامية التي أذهلت أوروبا. في الغرب، أصبح اسم "صلاح الدين" (Saladin) رمزاً للفارس النبيل. دانتي أليغييري وضعه في "الملوك الفاضلين" في الكوميديا الإلهية. والتر سكوت جعله بطلاً في روايته "الطلسم" (The Talisman). في الشرق، بقي صلاح الدين نموذجاً للقائد المسلم الذي يجمع بين القوة والرحمة.
لكن إرثه الحقيقي هو القدس. بقيت القدس في أيدي المسلمين 730 عاماً بعد تحرير صلاح الدين (حتى 1917 عندما دخلها البريطانيون). أعاد بناء أسوار المدينة. رمم المسجد الأقصى. وقف الأوقاف التي لا تزال تنفق على الحرم. صلاح الدين لم يحرر القدس فقط. بل أعادها إلى مكانتها كعاصمة روحية للإسلام.
درس حطين وتحرير القدس: في عالم يموج بالصراع، تبقى قصة صلاح الدين درساً خالداً في التوازن. 88 عاماً من الاحتلال انتهت برحمة الفاتح لا بانتقامه. القائد الذي وحد المسلمين 12 عاماً قبل أن يفكر في تحرير القدس أدرك أن الوحدة هي الطريق إلى النصر. القائد الذي عفا عمن سفكوا دماء شعبه قبل قرن أثبت أن القوة الحقيقية ليست في السيف، بل في الرحمة.