في أحد أيام القرن الثاني عشر (حوالي 1150م)، كان فلاحو قرية وولبت (Woolpit) في مقاطعة سوفولك الإنجليزية يحصدون المحصول. عند طرف الحقل، عند إحدى "حفر الذئاب" (الفخاخ القديمة لصيد الذئاب التي أعطت القرية اسمها: Wolf Pit = Woolpit)، وجدوا شيئاً غريباً. طفلان. ولد وبنت. لكن لم يكونا طفلين عاديين. كانت بشرتهما خضراء بالكامل. خضراء كأوراق الشجر. خضراء كالعشب. كانا يرتديان ملابس غريبة من قماش لا يعرفه أحد. كانا يتكلمان لغة لا يفهمها أحد. كانا خائفين. جائعين. لا يأكلان أي طعام يقدم لهما. إلا شيئاً واحداً: الفول الأخضر. هذه القصة ليست أسطورة. ليست خرافة شعبية. لقد سجلت في تاريخ إنجلترا الرسمي. كتب عنها مؤرخان معاصران للحدث: رالف من كوجشال (Ralph of Coggeshall) وويليام من نيوبيرغ (William of Newburgh). كلاهما من رجال الدين الموثوقين. كلاهما أكد أن القصة حقيقية. هذه هي قصة "أطفال وولبت الخضر": اللغز الذي حير المؤرخين 900 سنة.
خلاصة قصة أطفال وولبت الخضر: 1) وقعت حوالي 1150م في قرية وولبت بإنجلترا. 2) فلاحون وجدوا طفلين (ولد وبنت) عند حفرة ذئاب. 3) بشرتهما كانت خضراء بالكامل. 4) ملابسهما من قماش غريب مجهول. 5) لغتهما غير مفهومة لأحد. 6) رفضا كل الطعام إلا الفول الأخضر النيء. 7) أخذا إلى منزل السير ريتشارد دي كالن (فارس محلي). 8) الصبي مات بعد فترة قصيرة (مرض وضعف). 9) البنت عاشت. تعلمت الإنجليزية. فقدت لونها الأخضر تدريجياً. 10) عندما كبرت وبدأت تتحدث، روت قصتها: جاؤوا من "أرض سانت مارتن" حيث لا شمس (شفق دائم). كل شيء هناك أخضر. عبروا نهراً أو كهفاً. وجدوا نفسهم في الحقل. 11) البنت كبرت. تزوجت. عاشت حياة طبيعية. فقدت لونها الأخضر نهائياً.
📜 المصادر التاريخية: هل القصة حقيقية؟
قبل أن نسأل "كيف؟"، يجب أن نسأل "هل حدث هذا فعلاً؟". الإجابة: لدينا مصدران تاريخيان مستقلان يؤكدان القصة:
1) رالف من كوجشال (Ralph of Coggeshall): راهب سيسترسي. رئيس دير كوجشال (في إسكس، قرب وولبت). مؤرخ محترم. كتب القصة في "التاريخ الإنجليزي" (Chronicon Anglicanum) حوالي 1220م. ذكر أنه سمع القصة من السير ريتشارد دي كالن نفسه (الفارس الذي استضاف الطفلين). هذا يعني أن المصدر شاهد عيان (أو على الأقل، الشخص الذي تبنى الطفلين).
2) ويليام من نيوبيرغ (William of Newburgh): مؤرخ أوغسطيني. كتب "تاريخ الشؤون الإنجليزية" (Historia rerum Anglicarum) حوالي 1189م. ذكر القصة بتفاصيل متطابقة تقريباً. ويليام كان معروفاً بنقده للأساطير والخرافات. لم يكن يصدق أي شيء بسهولة. لكنه أكد أن هذه القصة "موثوقة من شهود عيان".
وجود مصدرين مستقلين، قريبين زمنياً من الحدث، يعتمدان على شهادات مباشرة... هذا يعطي القصة مصداقية تاريخية أعلى من معظم قصص العصور الوسطى.
👧 ماذا قالت البنت عندما تعلمت الإنجليزية؟
بعد سنوات من العيش في منزل السير ريتشارد، تعلمت البنت اللغة الإنجليزية. بدأت تروي قصتها. ماذا قالت؟
1) موطنها: قالت إنها وأخاها جاؤوا من "أرض سانت مارتن" (St. Martin's Land). مكان لا تشرق فيه الشمس. كل شيء هناك في شفق دائم (نور خافت يشبه نور الفجر أو الغسق). كل شيء أخضر. الناس هناك خضر. النباتات خضراء. لا شمس. لا نهار كامل. لا ليل كامل.
2) كيف وصلا إلى وولبت؟ قالت إنها وأخاها كانا يرعيان أغناماً (أو ماشية) في أرضهما. وجدا كهفاً. دخلا فيه. تجوها في الظلام. سمعا صوت أجراس (ربما أجراس كنيسة وولبت). خرجا من الكهف. وجدا نفسيهما في الحقل. ضوء الشمس كان قوياً جداً (بالنسبة لهم). لم يستطيعوا تحمله. حاولوا الهرب. لم يعرفوا الطريق. ضاعوا. وجدهم الفلاحون عند حفرة الذئاب.
3) ماذا حدث لأخيها؟ قالت إن أخاها كان مريضاً منذ البداية. لم يستطع التكيف مع العالم الجديد. ضعف. مرض. مات. أما هي، فبقيت حية. تعلمت. تأقلمت. فقدت لونها الأخضر تدريجياً (بعد أن بدأت تأكل طعاماً غير الفول).
النظريات المطروحة لتفسير اللغز
كيف يمكن لطفلين أن يكون لونهما أخضر؟ عبر 900 سنة، طرح المؤرخون والعلماء نظريات عديدة:
🔬 النظرية الطبية: فقر الدم الأخضر (Chlorosis)
أشهر تفسير طبي: الطفلان كانا يعانيان من "الكلوروسيس" (Chlorosis) أو فقر الدم الناقص الصباغ. هذا مرض كان شائعاً في العصور الوسطى (خاصة عند الفتيات). سببه: سوء تغذية حاد. نقص حاد في الحديد. يؤدي إلى شحوب شديد في البشرة. الجلد يصبح شاحباً جداً لدرجة أنه يبدو مخضراً (خاصة تحت إضاءة معينة). عندما بدأت البنت تأكل طعاماً متنوعاً (وليس فقط الفول)، تحسنت تغذيتها. اختفى اللون الأخضر. هذا التفسير منطقي. لكنه لا يفسر: من أين جاء الطفلان؟ ولماذا كانا يتكلمان لغة غريبة؟ ولماذا كانا يرتديان ملابس غريبة؟
🧬 النظرية الجينية: أطفال مهملون من أصل أجنبي
نظرية أخرى: الطفلان كانا أيتاماً أو مهملين. ربما من أصل فلمنكي (Flemish). في القرن 12، كانت هناك هجرات فلمنكية إلى إنجلترا. استقر الفلمنكيون في قرى منعزلة. بعد مجاعة أو حرب، ربما مات الكبار. الطفلان خرجا من قريتهما. تائها. وصلا إلى وولبت. بشرتهما الخضراء: ربما كانت ناتجة عن سوء تغذية. أو ربما كانا يصبغان بشرتهما (بعض القبائل القديمة كانت تصبغ أجسادها). ملابسهما الغريبة: ملابس فلمنكية. لغتهما الغريبة: الفلمنكية (التي لا يفهمها الإنجليز). "أرض سانت مارتن": ربما قرية فلمنكية تحمل هذا الاسم (يوجد عدة أماكن بهذا الاسم في أوروبا). الشفق الدائم: ربما وصف طفولي لغابة كثيفة لا تدخلها الشمس.
👽 النظرية الخيالية: كائنات من عالم آخر
بعض الناس (خاصة محبي نظريات المؤامرة) يعتقدون أن الطفلين كانا من عالم آخر. من بعد آخر. من كوكب آخر. من عالم تحت الأرض (أرض مجوفة). "أرض سانت مارتن" هي عالم تحت الأرض. الشفق الدائم هو ضوء متوهج في الكهوف. الكهف الذي دخلا فيه هو بوابة بين العالمين. هذا التفسير مثير. لكنه غير علمي. لا دليل عليه. مجرد خيال.
📖 نظرية الفولكلور: قصة رمزية
بعض المؤرخين يعتقدون أن القصة ليست حقيقية بالكامل. ربما هي قصة رمزية. "الأطفال الخضر" يرمزان إلى شيء آخر: الطبيعة (الخضرة) مقابل الحضارة (القرية). أو الموت والحياة (الصبي يموت، البنت تعيش). أو التحول من الوثنية إلى المسيحية (البنت "تتحول" إلى إنسان طبيعي بعد أن تتعمد أو تتعلم الدين). لكن هذا التفسير يصطدم بحقيقة أن المصادر التاريخية تروي القصة كحدث حقيقي. رالف من كوجشال وويليام من نيوبيرغ لم يكونا يكتبان قصة رمزية. كانا يكتبان تاريخاً.
🤔 أسئلة شائعة
1) هل هناك حالات أخرى لأطفال خضر في التاريخ؟ لا. هذه الحالة فريدة. لم تسجل أي حالة أخرى لأطفال بلون أخضر في التاريخ الأوروبي. لكن هناك قصة مشابهة في إسبانيا (Banzo: أطفال خضر ظهروا في قرية إسبانية عام 1887). لكنها أقل توثيقاً.
2) ماذا حدث للبنت بعد أن كبرت؟ حسب المصادر، تزوجت من شاب من قرية لين (Lynn). عاشت حياة طبيعية. أنجبت أطفالاً. فقدت لونها الأخضر نهائياً. أصبحت امرأة عادية. ماتت في سن متقدمة.
3) هل يمكن لبشرة الإنسان أن تكون خضراء فعلاً؟ نعم. بعض الأمراض تجعل الجلد يبدو مخضراً: فقر الدم الشديد. سوء التغذية. التعرض للنحاس أو الفضة. بعض الأدوية. الكلوروفيل في النباتات (إذا أكل الإنسان كميات هائلة من الخضار الخضراء فقط).
اللغز المستمر
"أطفال وولبت الخضر قصة تقف على الحدود بين التاريخ والأسطورة. لدينا مصادر تاريخية محترمة. لدينا شهود عيان. لدينا تفاصيل دقيقة. لكن ليس لدينا تفسير نهائي. ربما كانوا أطفالاً فلمنكيين تائهين يعانون من سوء التغذية. ربما كانوا من عالم آخر. ربما كانت القصة مختلقة بالكامل (لكن لماذا يكذب راهبان محترمان؟). ربما كانوا مجرد أطفال مهملين وجدوا في الحقل. و'الخضرة' كانت طحالب أو طيناً أو صبغة. أياً كانت الحقيقة... القصة بقيت. 900 سنة. ذكرى طفلين صغيرين. بشرتهما خضراء. يتحدثان لغة لا يفهمها أحد. لا يأكلان إلا الفول. خرجا من كهف. من أرض لا شمس فيها. ربما مات أخوها. لكنها عاشت. كبرت. تزوجت. أصبحت إنسانة عادية. نسيت عالمها الأخضر. أو ربما... لم تنسه أبداً."