في 29 أغسطس 2005، ضرب إعصار كاترينا - أحد أعنف الأعاصير في التاريخ الأمريكي - ساحل الخليج الأمريكي. لكن الكارثة الحقيقية لم تكن الرياح. كانت المياه. السدود التي تحمي نيو أورلينز (مدينة نصفها تحت مستوى سطح البحر) انهارت في 53 مكاناً مختلفاً. 80% من المدينة غرقت تحت الماء. في بعض الأحياء، وصل منسوب المياه إلى 6 أمتار. 1,836 شخصاً ماتوا (أكثر من نصفهم فوق سن 65). آلاف ظلوا محاصرين على أسطح منازلهم لأيام بدون ماء أو طعام. في "سوبردوم" (الملعب الرياضي الذي أصبح ملجأً لـ 25,000 شخص)، تحولت الظروف إلى جحيم: تسرب السقف، انقطاع الكهرباء، نقص المراحيض، أعمال عنف. الحكومة الفيدرالية (في عهد جورج بوش) فشلت فشلاً ذريعاً في الاستجابة. صور الجثث الطافية في الشوارع، والمارينز الذين وصلوا بعد 5 أيام، والمشردين الذين انتظروا المساعدة... كلها كشفت حقيقة مؤلمة: أفقر دولة في العالم... في أغنى دولة في العالم.
خلاصة الكارثة: إعصار كاترينا (الفئة 5، ثم 3 عند اليابسة) ضرب في 29 أغسطس 2005. 1,836 قتيل (رسمياً). 125 مليار دولار خسائر (الأغلى في تاريخ أمريكا). 80% من نيو أورلينز غرقت. 53 انهياراً في نظام السدود. 1.2 مليون شخص فروا (أكبر نزوح في تاريخ أمريكا منذ الحرب الأهلية). 25,000 شخص حوصروا في سوبردوم لمدة 6 أيام في ظروف مروعة. الجثث بقيت في الشوارع لأيام. الرئيس بوش طار فوق المدينة في الطائرة الرئاسية (لم يهبط). مدير الوكالة الفيدرالية للطوارئ (FEMA) مايكل براون استقال بعد أسبوعين. إعادة الإعمار استغرقت عقداً. بعض الأحياء لم تعد أبداً.
🌊 المدينة التي كان يجب ألا توجد
نيو أورلينز بنيت في أكثر مكان خطير يمكن تخيله: بين نهر المسيسيبي وبحيرة بونتشارترين، معظمها تحت مستوى سطح البحر (حتى 3 أمتار تحت مستوى البحر في بعض المناطق). كانت محمية بشبكة من السدود (levees) ومضخات المياه التي يعود تاريخها إلى عقود. لكن هذه السدود صممت لتحمل إعصار من الفئة 3 فقط. كاترينا كان فئة 5 (أقصى درجة). المهندسون حذروا لعقود من كارثة محتمة. لكن الحكومات المتعاقبة (المحلية والفيدرالية) خفضت ميزانيات صيانة السدود عاماً بعد عام. في 29 أغسطس 2005، جاء الحساب. السدود انهارت ليس بسبب قوة الإعصار فقط، بل بسبب سوء التصميم والصيانة. فيلق المهندسين في الجيش الأمريكي اعترف لاحقاً بمسؤوليته عن فشل السدود. كانت كارثة هندسية بقدر ما كانت كارثة طبيعية.
🏟️ سوبردوم: 25,000 شخص في الجحيم
ملعب لويزيانا سوبردوم (الذي يتسع لـ 72,000 متفرج) تحول إلى "ملجأ أخير" لـ 25,000 شخص لم يستطيعوا (أو لم يريدوا) إخلاء المدينة. كانت الخطة أن يكون الملجأ موقتاً (ليوم أو يومين). تحول إلى معسكر اعتقال لمدة 6 أيام. السقف تمزق. الأمطار هطلت على الداخل. الكهرباء انقطعت. المراحيض فاضت. الرائحة أصبحت لا تطاق. عصابات تشكلت في الداخل. اعتداءات واغتصابات (تضخمت في الإعلام، لكن بعضها حدث فعلاً). امرأة انتحرت بقفزها من الطابق العلوي. الجثث كانت تغطى ببطانيات وتترك في زاوية. في الخارج، المياه ارتفعت حول الملعب. كان سجناً مائياً. أخيراً، في 2 سبتمبر (بعد 4 أيام)، بدأت حافلات الإخلاء تصل. آخر النازحين غادروا في 4 سبتمبر. الصور التي خرجت من سوبردوم صدمت أمريكا والعالم: هذه ليست دولة عالم ثالث. هذه أمريكا.
«لقد فشلنا. فشلنا في حماية مواطنينا. فشلنا في الاستعداد. فشلنا في الاستجابة. هذا لن يحدث مرة أخرى.»
👴 الضحايا المنسيون: كبار السن والفقراء
أكثر من نصف ضحايا كاترينا (حوالي 1,000 شخص) كانوا فوق سن 65. لماذا؟ لأنهم لم يستطيعوا الإخلاء. لا سيارات. لا مال للفنادق. لا أقارب خارج المدينة. مرضى على كراسي متحركة. في دار المسنين في سانت برنارد، 35 مريضاً ماتوا غرقاً في أسرّتهم. الممرضات لم يستطعن نقلهم إلى الطابق العلوي بسرعة كافية. في الحي التاسع الأدنى (Lower Ninth Ward) - أفقر أحياء نيو أورلينز وأكثرها سواداً - الجثث بقيت طافية في المياه الملوثة لأيام. كانت الكارثة كاشفة للوجه القبيح لأمريكا: الفقراء والسود هم من ماتوا. الأغنياء والبيض كانوا قد أخلوا المدينة قبل الإعصار بيومين. كاترينا لم تكن كارثة طبيعية فقط. كانت كارثة عدالة اجتماعية.
🛟 الفشل الحكومي: أين كانت المساعدة؟
FEMA (الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ) بقيادة مايكل براون (محامٍ، صديق للرئيس، لا خبرة له في الكوارث) فشلت فشلاً مروعاً. استغرق الأمر 5 أيام لإرسال مساعدات كبيرة. الحرس الوطني لم يصل إلا بعد 4 أيام. الجثث بقيت في الشوارع تحت الشمس الحارقة. المروحيات كانت تنقذ الناس من أسطح المنازل واحداً تلو الآخر (مشاهد تلفزيونية مروعة). الرئيس بوش طار فوق المنطقة في الطائرة الرئاسية (Air Force One) في 31 أغسطس - لكنه لم يهبط. قال لاحقاً: «براوني، أنت تقوم بعمل رائع» (مقولة أصبحت مضحكة ومريرة). براون استقال بعد أسبوعين. الإعصار دمر أيضاً ولاية ميسيسيبي الساحلية (مدن بكاملها مسحت عن الخريطة). لكن نيو أورلينز هي التي حفرت في الذاكرة.
الحي التاسع الأدنى: الجرح الذي لم يلتئم
"الحي التاسع الأدنى كان أفقر أحياء نيو أورلينز: 98% أمريكيون أفارقة، 30% تحت خط الفقر. بني في منطقة منخفضة بشكل خطير. عندما انهارت السدود، غمرته المياه حتى أسطح المنازل. الجثث علقت في الأشجار. بعد 15 عاماً، الحي لم يعد أبداً إلى ما كان عليه. كثير من السكان لم يعودوا أبداً. تحول إلى أرض خالية فيها بيوت مهجورة. كاترينا لم تكن مجرد إعصار. كانت تطهيراً عرقياً واقتصادياً غير مقصود... لكنه حدث."