في أواخر القرن الثامن عشر، عاش في فرنسا رجل لا يشبه أي إنسان آخر. اسمه تاراري (Tarrare). كان يأكل... كل شيء. ليس تعبيراً مجازياً. حرفياً: كل شيء. طعام 15 شخصاً في وجبة واحدة. قططاً حية. أفاعي. سحالي. جرو كلب. ثعابين البحر. شموعاً. أحجاراً. فليناً. وفي النهاية... ربما أكل طفلاً رضيعاً. جسده كان نحيفاً. لكن بطنه كانت تنتفخ كالبالون بعد الأكل. كان يأكل بقايا الطعام من القمامة. كان يأكل فضلات المسالخ. رائحته كانت كريهة جداً لدرجة أن الناس كانوا يغمى عليهم من رائحته. أُجريت عليه تجارب طبية. حاولوا علاجه. جندوه في الجيش. استخدموه كجاسوس (ابتلع وثائق!). لكن لا شيء أوقف جوعه. هذه هي قصة تاراري: الرجل الذي لم يستطع التوقف عن الأكل. أغرب حالة طبية في التاريخ. قصة تثبت أن جسم الإنسان يمكن أن يكون أغرب مما نتخيل.
خلاصة حياة تاراري: 1) ولد حوالي 1772 في ريف ليون بفرنسا. 2) منذ طفولته، كان يأكل كميات هائلة (طعام عائلة كاملة). 3) طردته أسرته لأنه كان يأكل كل طعامهم. 4) أصبح متشرداً. عمل في السيرك كـ "آكل لحوم بشرية" (يأكل الحجارة والحيوانات الحية أمام الجمهور). 5) جند في الجيش الفرنسي (حرب الثورة). كان يأكل حصص 4 جنود. 6) استخدموه كجاسوس: ابتلع صندوقاً خشبياً فيه وثائق. 7) دخل المستشفى عدة مرات. حاولوا علاجه (أفيون، خل، بيض مسلوق). لم ينجح شيء. 8) اشتبهوا في أنه أكل طفلاً رضيعاً (اختفى من المستشفى). 9) مات عام 1798 (عمره 26 سنة). 10) تشريح جثته أظهر: معدة ضخمة تملأ معظم بطنه. مريء واسع جداً. كبد كبير. فم واسع. لا شيء طبيعياً في جسده.
👶 طفولة جائعة: بداية الكارثة
ولد تاراري في أسرة فلاحية فقيرة قرب ليون. كان طفلاً عادياً... إلا في شيء واحد: شهيته. كان يأكل كميات لا تصدق. في سن المراهقة، كان يلتهم ربع بقرة في وجبة واحدة (ما يعادل 50 كيلوجراماً من اللحم). أسرته لم تستطع إطعامه. كان يأكل كل ما تطبخه أمه. ثم يذهب إلى الجيران يستجدي الطعام. ثم إلى الحقول يأكل أي شيء يجده. طردته أسرته. كان عمره 17 سنة. أصبح متشرداً. يتجول في ريف فرنسا. يأكل من القمامة. يسرق الطعام. كان نحيفاً جداً. وزنه الطبيعي 45 كيلوجراماً فقط. لكن بطنه كانت تنتفخ بشكل مرعب بعد الأكل. كان يربط حزاماً حول بطنه. عندما يأكل، يفك الحزام. تنتفخ بطنه كبالون ضخم. ثم يربطها ثانية بعد أن تهضم.
🎪 حياة السيرك: آكل كل شيء
وصل تاراري إلى باريس حوالي 1790. هناك، وجد عملاً... في السيرك. كان جزءاً من عرض "المسوخ": أشخاص غريبي الأطوار يقدمون عروضاً للجمهور. عرض تاراري كان: أكل أي شيء. كان يبتلع أحجاراً. يبتلع سكاكين (يصعدها ثم ينزلها!). يأكل قططاً حية أمام الجمهور (يمزقها بأسنانه ويبتلعها). يأكل أفاعي. يأكل سحالي. يأكل كلاباً صغيرة. يأكل ثعابين البحر كاملة. كان يمضغ عظام الحيوانات. كان يشرب دماء القطط. الجمهور كان يندهش. يصفق. يشعر بالتقزز. لكن تاراري كان سعيداً: أخيراً وجد من يدفع له ليأكل.
🕵️ الجاسوس الذي ابتلع الوثائق
في 1793، اندلعت حروب الثورة الفرنسية. تاراري جند في الجيش. لكنه كان جندياً سيئاً جداً. كان يأكل حصص 4 جنود. كان دائماً جائعاً. كان يغمى عليه من الجوع أثناء التدريبات. أرسل إلى المستشفى. هناك، قرر الجنرال ألكسندر دي بوارنيه (زوج جوزفين المستقبلية قبل أن تتزوج نابليون) أن يستخدم تاراري بطريقة مبتكرة: جاسوس! الفكرة كانت عبقرية: تاراري سيبتلع صندوقاً خشبياً صغيراً فيه وثائق سرية. سيعبر خطوط العدو. يخرج الصندوق من بطنه (بعد أن يتبرزه). يسلم الوثائق للفرنسيين.
أعطوه صندوقاً خشبياً صغيراً (بحجم حبة الجوز الكبيرة). ابتلعه. عبر خطوط العدو (كان يتكلم الألمانية). وصل إلى المعسكر البروسي. لكنهم قبضوا عليه فوراً. لماذا؟ لأنه بدا مشبوهاً. إنسان نحيف جداً. رائحته كريهة. لا يتكلم بطلاقة. عذبوه 24 ساعة. لم يعترف. أخيراً... أخرج الصندوق (تبرزه). ضحك عليه البروسيون. لم يصدقوا أن الفرنسيين جادون في استخدامه كجاسوس. جلدوه وطردوه. عاد تاراري إلى الجيش الفرنسي. توسل إليهم ألا يستخدموه كجاسوس مرة أخرى. قبلوا طلبه.
"كان تاراري يلتهم طعام 15 شخصاً في وجبة واحدة. كان يأكل القطط الحية. يمزقها بأسنانه. يبتلع أحشاءها. جسده كان نحيفاً. لكن بطنه... كانت شيئاً مرعباً. بعد الأكل، كانت تنتفخ كبالون ضخم. ثم تعود إلى حجمها الطبيعي في بضع ساعات."
🏥 في المستشفى: محاولات العلاج الفاشلة
بعد فشل مهمته كجاسوس، دخل تاراري مستشفى "أوتيل ديو" في باريس. أراد الأطباء دراسته. الدكتور بيير فرانسوا بيرسي (جراح عسكري مشهور) تولى حالته. وصفه: "كان شاباً في العشرينات. نحيفاً جداً. طوله متوسط. شعره أشقر ناعم. فمه واسع بشكل غير طبيعي (يصل إلى أذنيه تقريباً). أسنانه متآكلة. لا شحم في جسده. جلده مترهل كأنه شنطة فارغة. رائحته كريهة جداً. لا يمكن الاقتراب منه. كان يعرق باستمرار. بخار كريه الرائحة يتصاعد منه".
حاول الأطباء علاجه: أعطوه أفيوناً (لتثبيط الشهية). أعطوه خلاً (لاعتقاد أنه يحرق الدهون). أعطوه بيضاً مسلوقاً (لإشباعه). أعطوه كميات هائلة من الطعام. لا شيء نفع. كان يأكل كل ما يعطونه له. ثم يخرج للبحث عن المزيد: يأكل فضلات الطعام من سلال القمامة. يأكل بقايا المسلخ (أحشاء الحيوانات المتعفنة). كان يشرب دماء المرضى الذين يسحبون الدم (في ذلك الزمان كانوا يعالجون الأمراض بسحب الدم). حاولوا تقييده. هرب.
👶 الطفل المفقود: هل أكل تاراري إنساناً؟
هنا تأتي أحلك لحظات القصة. أثناء وجوده في المستشفى، اختفى طفل رضيع عمره 14 شهراً. كان الطفل في سريره. فجأة... اختفى. شك الأطباء في تاراري. كان تاراري دائماً جائعاً. كان يأكل كل شيء. كان يراقب الأطفال بطريقة غريبة. هل... أكله؟ لم يثبت شيء. لم تكن هناك أدلة. لكن الأطباء كانوا مقتنعين. طردوه من المستشفى. لم يحاكموه (لا دليل). لكنهم لم يريدوا رؤيته مجدداً.
بعد 4 سنوات (1798)، ظهر تاراري في مستشفى في فرساي. كان يعاني من إسهال حاد مستمر. الأطباء شخصوا إصابته بالسل (الدرن). مات بعد أشهر. عمره 26 سنة. أراد الأطباء تشريح جثته. لكن المشكلة: رائحته كانت كريهة جداً لدرجة أنهم لم يستطيعوا الاقتراب! كانوا يقفون بعيداً. يرشون الخل. يمسكون أنوفهم. استغرق التشريح ساعات. ما وجدوه كان مذهلاً.
🔬 تشريح الجثة: ما الذي كان خطأه؟
عندما شقوا بطنه، وجدوا:
1) المعدة: ضخمة جداً. تملأ معظم تجويف البطن. جدرانها رقيقة جداً. يمكن أن تتمدد بشكل هائل.
2) المريء: واسع بشكل غير طبيعي. يمكنه ابتلاع أشياء ضخمة كاملة (مثل القطط، الأحجار، الصناديق).
3) الكبد: كبير جداً. ثلاث أضعاف الحجم الطبيعي.
4) الأمعاء: ملتهبة. مليئة بالتقرحات. فيها صديد.
5) الجلد: مترهل جداً. لا يوجد تحته دهون.
6) الرائحة: جثته كانت تتعفن بسرعة. رائحة لا تطاق. الأطباء اضطروا لإنهاء التشريح بسرعة.
التشخيص الحديث: تاراري كان يعاني على الأرجح من "متلازمة برادر ويلي" (Prader-Willi Syndrome) أو "فرط الأكل العصبي" (Hyperphagia). متلازمة برادر ويلي هي اضطراب جيني يسبب جوعاً دائماً لا يشبع. المصابون بها يأكلون كل شيء. لا يشعرون بالشبع أبداً. غالباً يموتون صغاراً بسبب السمنة أو مضاعفاتها. لكن تاراري كان نحيفاً! ربما كان يعاني من حالة فريدة: جوع دائم مع معدل أيض عالٍ جداً (جسمه يحرق السعرات بسرعة). ربما كان مصاباً بفرط نشاط الغدة الدرقية أيضاً. ربما كانت حالته فريدة لم ترَ قبلها ولا بعدها.
🤔 أسئلة شائعة
1) هل قصة تاراري حقيقية أم أسطورة؟ حقيقية. موثقة طبياً. الدكتور بيرسي (جراح نابليون الشخصي لاحقاً) كتب تقريراً طبياً كاملاً عنه. التقرير موجود في الأرشيف الطبي الفرنسي حتى اليوم.
2) هل أكل تاراري الطفل حقاً؟ غير مؤكد. الشكوك كانت قوية. الطفل اختفى في نفس الفترة التي كان فيها تاراري في المستشفى. لكن لا دليل قاطع. ربما يكون قد أكله. ربما اختفى الطفل لسبب آخر.
3) ما هو التشخيص الطبي الحديث لحالة تاراري؟ على الأرجح: متلازمة برادر ويلي + فرط نشاط الغدة الدرقية + اضطرابات هضمية. حالة معقدة جداً. لم ترَ مثلها في التاريخ الطبي.
4) هل كان تاراري مريضاً عقلياً؟ ربما. كان يعاني من إعاقة ذهنية بسيطة. لم يكن غبياً (فهم مهمته كجاسوس ونجح في عبور خطوط العدو). لكنه لم يكن طبيعياً. جوعه الدائم كان مرَضاً. ليس خطأه.
تاراري: الضحية أم الوحش؟
"قصة تاراري تثير سؤالاً عميقاً: هل كان وحشاً أم ضحية؟ من ناحية: أكل القطط. أكل الكلاب. ربما أكل طفلاً. كان مقززاً. كريهاً. مرعباً. من ناحية أخرى: كان مريضاً. لم يختر أن يولد بهذه الشهية. لم يختر أن يكون جسده بهذه الطريقة. كان يعاني. كان جائعاً دائماً. أبداً. لا راحة. لا شبع. الجوع يلاحقه كل لحظة. منذ ولادته حتى موته. لا يستطيع أن يعيش حياة طبيعية. لا حب. لا أسرة. لا أصدقاء. فقط الجوع. فقط الأكل. فقط القرف في عيون الآخرين. تاراري كان ضحية. ضحية جسده. ضحية جيناته. ضحية عصر لم يكن فيه أطباء يفهمون حالته. مات في السادسة والعشرين. وحيداً. مقززاً. منبوذاً. هذه ليست قصة وحش. هذه مأساة إنسان."