في 26 يوليو 1956، وقف جمال عبد الناصر في ميدان المنشية بالإسكندرية وألقى خطاباً تاريخياً. في منتصف الخطاب، ذكر اسم "فرديناند دي لسبس" (مهندس قناة السويس). كانت هذه كلمة السر. في تلك اللحظة، بدأت مجموعات من الضباط المصريين في الاستيلاء على مكاتب شركة قناة السويس في القاهرة والإسماعيلية وبورسعيد. أعلن عبد الناصر تأميم القناة، منهياً 87 عاماً من السيطرة الأجنبية عليها. الحشود انفجرت هتافاً. العالم الغربي انفجر غضباً. بريطانيا وفرنسا، القوتان الاستعماريتان القديمتان، قررتا الانتقام. تحالفتا مع إسرائيل سراً، وفي 29 أكتوبر 1956، بدأ العدوان الثلاثي. ما حدث بعد ذلك كان ملحمة وطنية مصرية: هزيمة عسكرية تكتيكياً، لكن نصراً سياسياً ساحقاً أنهى عصر الإمبراطوريات القديمة، وجعل من عبد الناصر زعيماً للعالم العربي.
خلاصة الأزمة: في يوليو 1956، أعلن جمال عبد الناصر تأميم شركة قناة السويس (التي كانت تحتكرها بريطانيا وفرنسا) رداً على سحب البنك الدولي عرض تمويل السد العالي. بريطانيا (بقيادة أنتوني إيدن) وفرنسا (بقيادة غي موليه) تآمرتا سراً مع إسرائيل (بقيادة بن غوريون) في "بروتوكول سيفر". الخطة: تهاجم إسرائيل سيناء، ثم تتدخل بريطانيا وفرنسا "لفصل الطرفين"، وتستولي على القناة. في 29 أكتوبر، هاجمت إسرائيل. في 31 أكتوبر، قصفت بريطانيا وفرنسا المطارات المصرية. في 5 نوفمبر، أنزلت قواتهما في بورسعيد. لكن الضغط الدولي الهائل من أمريكا والاتحاد السوفيتي والأمم المتحدة أجبرهم على وقف إطلاق النار في 7 نوفمبر. انسحبوا مذلولين بحلول ديسمبر. عبد الناصر انتصر سياسياً وأصبح بطلاً قومياً عربياً.
🇪🇬 لماذا أمم عبد الناصر القناة؟
قناة السويس (التي افتتحت 1869) كانت شرياناً حيوياً للتجارة العالمية. كانت تحت سيطرة شركة قناة السويس العالمية، التي تملك بريطانيا وفرنسا معظم أسهمها. مصر كانت تحصل على 7% فقط من أرباح القناة، بينما كانت بريطانيا تستفيد بشكل هائل (النفط من الخليج يمر عبر القناة إلى أوروبا). عبد الناصر أراد بناء السد العالي في أسوان (لتنمية مصر)، وطلب تمويلاً من البنك الدولي. أمريكا وبريطانيا وافقتا مبدئياً، لكنهما اشترطتا شروطاً مهينة (مراقبة الاقتصاد المصري). عبد الناصر رفض. في 19 يوليو 1956، سحب البنك الدولي عرضه رسمياً. كان هذا تحدياً مباشراً. بعد أسبوع واحد، رد عبد الناصر بتأميم القناة.
في خطاب التأميم، قال عبد الناصر: "أيها المواطنون... سوف تدار القناة بأيدٍ مصرية، وسوف تكون عائدات القناة لصالح مصر... وسوف نبني السد العالي... وسوف ننتقم لكرامتنا... وسوف نموت بكرامة بدلاً من أن نعيش في إذلال". كان الخطاب زلزالاً. الجماهير في الإسكندرية كادت تطير من الفرح. في الغرب، كان الغضب عارماً. رئيس الوزراء البريطاني أنتوني إيدن قال: "عبد الناصر يجب أن يسقط. إنه هتلر جديد". فرنسا كانت غاضبة أيضاً بسبب دعم عبد الناصر للثورة الجزائرية.
🤝 بروتوكول سيفر: المؤامرة السرية
بريطانيا وفرنسا لم تستطيعا مهاجمة مصر مباشرة دون ذريعة. فابتكرتا خطة سرية مع إسرائيل. في 22-24 أكتوبر 1956، اجتمع ممثلون من الدول الثلاث سراً في فيلا في بلدة سيفر قرب باريس. تم الاتفاق على "بروتوكول سيفر": 1) إسرائيل تهاجم سيناء وتتقدم نحو القناة. 2) بريطانيا وفرنسا تصدران إنذاراً لكلا الطرفين "بوقف القتال والانسحاب 10 أميال عن القناة". 3) مصر سترفض حتماً (لأن الإنذار يطلب منها الانسحاب من أراضيها). 4) بريطانيا وفرنسا تتدخلان عسكرياً "لحماية الملاحة الدولية". 5) تحت غطاء التدخل، يستوليان على القناة ويسقطان عبد الناصر.
الخطة كانت خادعة بشكل صارخ. بن غوريون (رئيس وزراء إسرائيل) وافق لأن إسرائيل كانت تريد تدمير قواعد الفدائيين الفلسطينيين في غزة وسيناء، وكسر الحصار المصري على مضيق تيران (مدخل خليج العقبة). إيدن كان مهووساً شخصياً بإسقاط عبد الناصر. لكن المشكلة الكبرى: أمريكا لم تكن تعرف بالخطة. وعندما اكتشفها الرئيس أيزنهاور، غضب غضباً شديداً. كان يرى أن هذه المغامرة الاستعمارية ستضر بالمصالح الغربية وتدفع العرب إلى أحضان السوفيت. وكان محقاً.
⚔️ 29 أكتوبر - 7 نوفمبر: الحرب الخاطفة
في 29 أكتوبر، هاجمت إسرائيل سيناء. في اليوم التالي، أصدرت بريطانيا وفرنسا إنذارهما المزعوم (طلبوا من مصر الانسحاب 10 أميال عن القناة، بينما كانت القوات الإسرائيلية لا تزال على بعد 100 ميل من القناة!). رفض عبد الناصر. في 31 أكتوبر، قصفت الطائرات البريطانية والفرنسية المطارات المصرية. دمر السلاح الجوي المصري على الأرض (180 طائرة). احتلت إسرائيل سيناء بالكامل تقريباً في 4 أيام. في 5 نوفمبر، أنزلت بريطانيا وفرنسا قواتهما المحمولة جواً وبحراً في بورسعيد.
بورسعيد واجهت الغزو ببطولة أسطورية. المقاومة الشعبية (رجال ونساء وأطفال) قاوموا الجيوش المحترفة. قصفت المدمرات البريطانية المدينة، فدمرت أحياء بأكملها وقتلت مئات المدنيين. لكن المقاومة استمرت. لكن عسكرياً، كان الموقف ميؤوساً منه. جيوش ثلاث دول كانت تسحق الجيش المصري.
"سوف نقاتل. لن نستسلم. سنقاتل في كل قرية، في كل شارع، في كل بيت. لن نستسلم أبداً."
🇺🇸🇷🇺 لماذا تدخلت القوتان العظميان؟
هنا حدثت المعجزة. القوتان العظميان، أمريكا والاتحاد السوفيتي، تدخلتا لصالح مصر. لماذا؟ لكل منهما أسبابه:
الاتحاد السوفيتي بقيادة خروتشوف هدد بإرسال "متطوعين" (أي قوات سوفيتية) لمساعدة مصر، بل ولوح باستخدام الصواريخ النووية ضد لندن وباريس إذا لم توقفا العدوان! كان تهديداً مرعباً.
الولايات المتحدة بقيادة أيزنهاور كانت غاضبة من الحلفاء. العملية كانت خداعاً واضحاً. أمريكا لم ترد أن تبدو داعمة للاستعمار القديم في عصر إنهاء الاستعمار. كانت الحرب الباردة على أشدها مع السوفيت، وأمريكا لم ترد أن تخسر العالم العربي لصالح موسكو. الأهم: أمريكا مارست ضغوطاً اقتصادية هائلة على بريطانيا. هددت ببيع الجنيه الإسترليني (مما كان سينهار الاقتصاد البريطاني). بريطانيا، المثقلة بالديون، ركعت.
🕊️ 7 نوفمبر: نهاية العدوان - نصر سياسي مصري
في 7 نوفمبر 1956، تحت ضغط أمريكي-سوفيتي هائل، وافقت بريطانيا وفرنسا على وقف إطلاق النار. الجمعية العامة للأمم المتحدة تبنت قراراً بإنشاء قوة طوارئ دولية (UNEF) للإشراف على الانسحاب. بحلول ديسمبر، انسحبت القوات البريطانية والفرنسية من بورسعيد مذلولة. بحلول مارس 1957، انسحبت إسرائيل من سيناء وغزة.
عبد الناصر خرج من الحرب منتصراً سياسياً. خسر المعركة العسكرية، لكنه كسب الحرب السياسية. أصبح بطلاً في العالم العربي كله. صورته انتشرت في كل مكان. القناة أصبحت مصرية بالكامل (دفعت مصر تعويضات للمساهمين الأجانب). الحلم الاستعماري القديم مات. إيدن استقال بعد شهرين (انهار صحياً وسياسياً). بن غوريون اضطر للانسحاب من كل الأراضي التي احتلها. درس السويس كان واضحاً: عصر الإمبراطوريات انتهى. لا يمكن لقوتين استعماريتين قديمتين أن تفرضا إرادتهما على العالم بعد الآن.
🏛️ إرث السويس: نهاية الإمبراطوريات
أزمة السويس كانت لحظة فارقة في تاريخ العالم. كانت المرة الأولى التي تتدخل فيها الأمم المتحدة بقوة حفظ سلام دولية (قوات الطوارئ). كانت المرة الأولى التي يجتمع فيها الضغط الأمريكي-السوفيتي (رغم عدائهما) لوقف عمل عسكري. كانت العملياً إعلان نهاية الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية كقوتين عظيمتين. بعد السويس، أدركت بريطانيا أنها لم تعد إمبراطورية، وقبلت بدورها الجديد كحليف ثانوي لأمريكا.
بالنسبة للعرب، السويس كان لحظة التحرر. أثبت أن القوى الاستعمارية يمكن هزيمتها. عبد الناصر استخدم هذا النصر لتعزيز مكانته كقائد للأمة العربية. ومصر أصبحت قلب العروبة النابض. القناة أصبحت مصرية، وعائداتها (التي كانت تذهب إلى باريس ولندن) أصبحت تذهب إلى مصر. السد العالي بني فعلاً (بمساعدة سوفيتية هذه المرة بدلاً من الغربية).
بورسعيد الصامدة
"وقفت بورسعيد وحدها في وجه أسطولين بحريين وجيشين محترفين. قصفت المدمرات البريطانية والفرنسية المدينة 7,000 قذيفة. دمر حي المناخ بالكامل. لكن الميليشيات الشعبية ورجال المقاومة واصلوا القتال من شارع إلى شارع. عندما دخل المظليون البريطانيون المدينة، وجدوا جهنماً: قناصة على الأسطح، زجاجات مولوتوف من النوافذ، حتى الأطفال كانوا يرشقونهم بالحجارة. عندما انتهت الحرب، كانت بورسعيد مدمرة. لكنها أصبحت رمزاً للصمود. كل عام، يحتفل المصريون في 23 ديسمبر (عيد النصر) بخروج آخر جندي أجنبي من المدينة."