في الساعات الأولى من صباح يوم الاثنين 10 يوليو 1978، دبابات وعربات مدرعة تابعة للجيش الموريتاني تتحرك في شوارع نواكشوط العاصمة. سمع دوي رشاشات قرب القصر الرئاسي. بحلول الفجر، أعلن الرائد المصطفى ولد محمد السالك (قائد الأركان) عبر الإذاعة إطاحة النظام وإيداع الرئيس المختار ولد داداه (أول رئيس لموريتانيا المستقلة) في الإقامة الجبرية. انتهى بذلك حكم استمر 18 عاماً (منذ الاستقلال عن فرنسا عام 1960). الانقلاب جاء بسبب تورط موريتانيا في حرب الصحراء الغربية (البوليساريو) وتدهور الوضع الاقتصادي والأمني. هذه بداية عهد الانقلابات العسكرية في موريتانيا (1978-2005). هذه القصة.
خلاصة الانقلاب: في 10 يوليو 1978، أطاح الجيش الموريتاني بالرئيس المختار ولد داداه بسبب هزائم حرب البوليساريو، الأزمة الاقتصادية، والفساد. كان أول انقلاب عسكري في موريتانيا. حكم العسكر البلاد حتى 1992 (فترة انتقالية)، لكن الفوضى استمرت.
📜 خلفية الاستقلال وحكم ولد داداه (1960-1978)
نالت موريتانيا استقلالها عن فرنسا في 28 نوفمبر 1960. أصبح المختار ولد داداه أول رئيس للجمهورية الإسلامية الموريتانية (نظام الحزب الواحد، حزب الشعب الموريتاني). ركز في بداية حكمه على بناء الدولة والاعتراف الدولي (انضمام للأمم المتحدة 1961، تحديث الإدارة). لكنه انتهج سياسة استبدادية (منع المعارضة، سجن النشطاء). بحلول السبعينيات، زادت حدة المعارضة والفساد.
"لن نسمح لأحد بتهديد وحدة موريتانيا. نحن دولة عربية إفريقية موحدة."
⚔️ حرب الصحراء الغربية (1975-1978)
في نوفمبر 1975، انسحبت إسبانيا من الصحراء الغربية. تنازعت المغرب وموريتانيا على المنطقة. موريتانيا احتلت الثلث الجنوبي (محافظة تيرس الزمور). اندلعت حرب عصابات مع جبهة البوليساريو (جبهة تحرير الصحراء المدعومة من الجزائر). تعرضت موريتانيا لهزائم متكررة: خسائر بشرية ومادية كبيرة (تدمير مناجم الفوسفات، قطع الطرق، هجمات على قوافل الإمداد). انهار الاقتصاد الموريتاني (الديون الخارجية تضاعفت). تمرد الجيش الموريتاني تدريجياً.
💥 10 يوليو 1978: يوم الانقلاب
تم سجن ولد داداه وعائلته (أُفرج عنه في 1979، وتوفي في المنفى في 2003). شُكّل مجلس عسكري برئاسة العقيد المصطفى ولد محمد السالك (أول رئيس عسكري). حُلّ حزب الشعب الموريتاني، وأُغلقت الصحف. وُعد بإجراء انتخابات في غضون 18 شهراً.
الرائد المصطفى ولد محمد السالك (قائد الانقلاب)
كان قائد الأركان العامة للجيش الموريتاني. أطاح بولد داداه بسبب تورطه في حرب الصحراء. حكم من 1978 إلى 1979. أطيح به بدوره في انقلاب آخر بقيادة العقيد محمد محمود ولد لولي في 1979.
🔄 العسكر يحكمون موريتانيا (1978-1992)
شهدت موريتانيا سلسلة من الانقلابات والانقلابات المضادة:
- 1978-1979: حكم المجلس العسكري بقيادة ولد السالك. انسحاب موريتانيا من حرب الصحراء (1979)، إعلان وقف إطلاق النار مع البوليساريو.
- 1979-1980: العقيد ولد لولي (الانقلاب الثاني). استمرار الاضطرابات.
- 1980-1984: العقيد محمد خونا ولد هيدالة (الانقلاب الثالث). اشتهر بالديكتاتورية والقمع.
- 1984-2005: العقيد معاوية ولد سيدي أحمد الطايع (الانقلاب الرابع). حكم 21 عاماً (أطول حكم عسكري).
اتفاق سلام (1979): انسحبت موريتانيا من حرب الصحراء في 1979 واعترفت بجبهة البوليساريو. قطعت العلاقات مع المغرب (حليفها السابق) وتحسنت علاقاتها مع الجزائر. لكن التوترات العرقية (عرب مقابل زنوج) ازدادت في فترة الثمانينات.
🗳️ عودة الديمقراطية (1992-2005)
تحت الضغوط الدولية (الربيع العربي لم يكن قد أتى بعد)، أعلن الرئيس ولد الطايع (العسكري) انتخابات رئاسية في 1992 وفاز بها (انتخابات غير نزيهة). استمر حكمه حتى 2005 عندما أطيح به في انقلاب جديد (3 أغسطس 2005). الديمقراطية جاءت بشكل متقطع. انقلابات 2008 و 2019 أعادت العسكر للحكم.
"انقلاب 1978 كان بداية عهد الفوضى العسكرية في موريتانيا. لم تستقر البلاد منذ ذلك الحين."
📖 إرث انقلاب 1978
كان انقلاب 10 يوليو 1978 نقطة تحول في تاريخ موريتانيا. فتح الباب أمام تدخل الجيش في السياسة (نمط مستمر حتى 2024). تسبب في زعزعة الاستقرار، وتوقف التنمية، وأزمات اقتصادية واجتماعية. لكنه أنهى حرب الصحراء غير المجدية والفساد المستشري في عهد ولد داداه. لا يزال الموريتانيون منقسمين حول تقييم هذا الانقلاب.
ذكرى الانقلاب
لا يحتفل الموريتانيون بذكرى انقلاب 1978، إذ يعتبر الكثيرون أن العسكر ارتكبوا أخطاء كبيرة. لكن بعض القوميين يعتبرونه ضرورة لوقف الحرب مع البوليساريو. بقي الجرح مفتوحاً.