في صباح يوم الثلاثاء 18 يناير 1977، استيقظ المصريون على خبر صادم: الحكومة رفعت أسعار المواد الغذائية الأساسية بنسب تتراوح بين 30% و 100% بين ليلة وضحاها. ارتفع سعر رغيف الخبز المدعم من 1 إلى 5 قروش (زيادة 400%)، وارتفع سعر السكر والأرز والزيت والغاز بشكل جنوني. كان القرار أشبه بقنبلة موقوتة انفجرت في وجه النظام. خرج مئات الآلاف من الفقراء والعمال والطلاب إلى الشوارع في "انتفاضة الخبز" أو "انتفاضة الجياع" التي هزت عرش الرئيس أنور السادات، وكادت تطيح به من الحكم. لأول مرة في تاريخ مصر الحديث، امتدت الاحتجاجات إلى قلب القاهرة والمدن الكبرى، وتحولت إلى اشتباكات عنيفة مع الشرطة والجيش. كانت هذه الانتفاضة بمثابة صدمة عنيفة لنظام السادات، وأدت إلى إلغاء قرارات رفع الأسعار خلال 48 ساعة فقط. لكن ثمن ذلك كان دموياً: سقوط العشرات من القتلى والآلاف من الجرحى والمساجين. هذه هي قصة انتفاضة الخبز، الحدث الذي غير مصر وأثر على سياساتها لعقود.
خلاصة الانتفاضة: في 18 يناير 1977، أعلنت الحكومة المصرية رفع أسعار المواد الغذائية الأساسية (الخبز، السكر، الأرز، الزيت، الغاز) بنسب تتراوح بين 30% و 400%. اندلعت احتجاجات شعبية عنيفة في جميع أنحاء مصر. تحولت المظاهرات إلى اشتباكات مع الشرطة والجيش. سقط عشرات القتلى (تقديرات تتراوح بين 40 و 200). في 19 يناير، ألغى الرئيس السادات قرارات رفع الأسعار. كانت الانتفاضة بداية لتراجع شعبية السادات ومهدت لاغتياله عام 1981.
📉 خلفية الأزمة: سياسة "الانفتاح الاقتصادي"
بعد حرب أكتوبر 1973، أطلق الرئيس أنور السادات سياسة "الانفتاح الاقتصادي" (Infitah) التي تهدف إلى تشجيع الاستثمار الأجنبي والخاص، وتقليص دور الدولة في الاقتصاد. لكن هذه السياسة أدت إلى نتائج عكسية على الفقراء والطبقة العاملة: تراجع الدعم الحكومي للسلع الأساسية، وارتفاع معدلات التضخم، واتساع فجوة الثراء بين الأغنياء والفقراء. بينما كان أغنياء "الانفتاح" يثرون من الصفقات والمشاريع الاستثمارية، كان العمال والموظفون يعانون من تآكل أجورهم بسبب التضخم.
في عام 1976، لجأت مصر إلى صندوق النقد الدولي للحصول على قروض لإنقاذ الاقتصاد المنهار. اشترط الصندوق تنفيذ "برنامج إصلاح اقتصادي" يتضمن تخفيض الدعم الحكومي للسلع الأساسية، ورفع الأسعار، وتقليص دور الدولة. في يناير 1977، وافقت الحكومة على الشروط، وأعلنت فجأة رفع أسعار 17 سلعة أساسية (الخبز، السكر، الأرز، الزيت، الشاي، اللحوم، الدواجن، الغاز، الكهرباء، الماء...). كانت النسبة المئوية للزيادات مذهلة: 400% للخبز، 180% للسكر، 100% للأرز والزيت. لم يتم تقديم أي بدائل للفقراء، ولم يتم التحذير المسبق. انفجر الشعب كالبركان.
"الانفتاح أفقر الفقراء وأغنى الأغنياء. بينما كان أبناء السادات ووزرائه يبنون القصور على شواطئ البحر المتوسط، كان العمال يبحثون عن رغيف خبز لأطفالهم."
🔥 18 يناير 1977: يوم الغضب
في صباح 18 يناير، خرج عمال شركة حلوان للحديد والصلب (المهد العمالي التاريخي) في مظاهرة عفوية. انضم إليهم عمال شركة النصر للسيارات، وعمال الغزل والنسيج في المحلة الكبرى. انتقلت المظاهرة إلى ميدان التحرير، حيث تجمع الآلاف أمام مبنى مجلس الشعب. هتافات المتظاهرين كانت صارمة وواضحة: "يا سادات يا جبان، الشعب عايز لقمة عيش"، "لا لرفع الأسعار، نعم للحرية"، "اسقط اسقط حكم العسكر". بحلول الظهيرة، أصبحت مظاهرة مليونية غير مسبوقة. اقتحم المتظاهرون مبنى الإذاعة والتلفزيون (ماسبيرو) وحاولوا إحراقه. أحرقوا سيارات الشرطة، ونهبوا المحلات التجارية الفاخرة في وسط البلد، وهاجموا مقار الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم. كما استهدفوا رموز "الانفتاح" مثل الفنادق الفاخرة والبنوك الأجنبية والمولات الجديدة.
"يا سادات يا جبان، الشعب عايز لقمة عيش"
كان هذا الهتاف الأشهر والأكثر تأثيراً في انتفاضة الخبز. للمرة الأولى في تاريخ مصر، يتم توجيه الشتائم والإهانات للرئيس علناً في الشوارع. كان ذلك مؤشراً على انهيار هيبة الدولة.
🌊 الامتداد: انتفاضة تطالب بإسقاط النظام
لم تقتصر الاحتجاجات على القاهرة وحدها. في الإسكندرية، خرج 100,000 متظاهر في ميدان المنشية (المنطقة القنصلية)، ورشقوا السفارة الأمريكية بالحجارة (اتهموها بالضغط على مصر لتنفيذ إصلاحات صندوق النقد). أحرقوا مقر الحزب الوطني الديمقراطي، ومحلات الملابس الفاخرة، وفنادق الأغنياء. قال أحد المتظاهرين لصحفي أجنبي: "نحن لسنا ضد السادات فقط، نحن ضد الفقر والجوع والظلم الذي يمارسه الأغنياء علينا". في مدن القناة (بورسعيد، الإسماعيلية، السويس)، اشتدت المواجهات بين المتظاهرين والشرطة العسكرية، واستخدمت الرصاص الحي لتفريق الحشود. في المحلة الكبرى (مركز صناعة النسيج)، أضرب العمال عن العمل وقطعوا خطوط السكك الحديدية. طالبوا برحيل النظام وإقامة "جمهورية العدالة الاجتماعية". كانت الانتفاضة تتحول من احتجاج على رفع الأسعار إلى ثورة اجتماعية شاملة ضد النظام السياسي بأكمله.
🪖 19 يناير 1977: الجيش يطلق الرصاص الحي
بحلول ليلة 18 يناير، شعر نظام السادات أن الأمور خرجت عن السيطرة. أعلن حظر التجول، واستدعى الجيش لفض المظاهريات. في صباح 19 يناير، نزلت الدبابات والعربات المدرعة إلى شوارع القاهرة والإسكندرية. أطلق الجنود الرصاص الحي على المتظاهرين، مما أدى إلى سقوط العشرات من القتلى والمئات من الجرحى. في حي بولاق الدكرور (الجيزة)، قُتل 23 شخصاً في ساعات معدودة. في حي العامرية (الإسكندرية)، قُتل 17 شخصاً. كما اعتقل الآلاف (بين 2,000 و 5,000 معتقل). لكن المقاومة لم تنكسر: ألقى المتظاهرون الحجارة والزجاجات الحارقة على الدبابات، ورشقوها بشعارات "الشعب يريد إسقاط النظام!" في تحدٍ واضح.
"لقد رأيت الجنود يطلقون النار على أطفال في الخامسة عشرة من العمر. لقد كان يوماً أسود في تاريخ مصر."
📢 تراجع السادات وإلغاء القرارات (مساء 19 يناير)
في مساء 19 يناير، وبعد 36 ساعة فقط من اندلاع الانتفاضة، ألقى الرئيس أنور السادات خطاباً متلفزاً مهتزاً. بدا شاحباً ومتوتراً. أعلن إلغاء جميع قرارات رفع الأسعار فوراً، وعودة الدعم الحكومي للسلع الأساسية. كما أعلن عن حزمة إصلاحات اقتصادية واجتماعية جديدة (زيادة الأجور، بناء مساكن شعبية، تخفيض الضرائب). وصف الأحداث بأنها "فتنة كادت أن تودي بالبلاد إلى الهاوية"، واتهم "الجماعة الشيوعية والإخوان المسلمين والقوى الخارجية" بالضلوع فيها. لكنه أقر بأن الحكومة ارتكبت "خطأ تقديراً كبيراً" بفرض القرارات دون تمهيد أو تحضير للشعب. كان خطاب السادات بمثابة اعتراف بالهزيمة، وإعلان أن الشعب أقوى من النظام. ظل السادات مصدوماً لبقية أيامه، واتخذ إجراءات أمنية مشددة (اعتقالات، رقابة إعلامية، منع التظاهرات) حتى اغتياله عام 1981.
"صندوق المجرمين" (عزل المسؤولين): أعلن السادات عن تشكيل "صندوق المجرمين" (لجنة خاصة) للتحقيق في الفساد ومحاسبة المسؤولين الذين نهبوا المال العام. تمت إقالة 10 وزراء ومسؤولين كبار، بينهم وزير الإعلام، وزير التموين، ومحافظ الإسكندرية. لكن هذا لم يشفع له في استعادة شعبيته التي انهارت إلى الأبد.
🕊️ تداعيات الانتفاضة: ماذا تغير بعد 1977؟
كان لانتفاضة الخبز تداعيات عميقة على مصر والسادات:
- تراجع شعبية السادات: من "بطل الحرب والسلام" إلى "رجل الانفتاح الفاسد". احتقرته الطبقات الفقيرة والوسطى بعد أن أمر الجيش بإطلاق النار على المتظاهرين.
- تعزيز الجيش كقوة قمع: لأول مرة منذ ثورة يوليو 1952، استخدم الجيش لقتل مواطنيه في الشوارع. هذا أضر بهيبة المؤسسة العسكرية.
- توقف الإصلاحات الاقتصادية: توقفت العلاقة مع صندوق النقد الدولي مؤقتاً، وظلت سياسة الدعم الحكومي للسلع الأساسية قائمة حتى اليوم (على شكل بطاقات تموينية).
- تشديد القبضة الأمنية: ألغى السادات "صيف الديمقراطية" (الحرية النسبية 1975-1976)، وعاد إلى القمع والرقابة والاعتقالات.
- تصاعد المعارضة: أصبح السادات هدفاً للإسلاميين (الإخوان، الجماعات الجهادية)، الذين اتهموه بالكفر و"بيع مصر للغرب". ساعد هذا في تأجيج البيئة التي أدت إلى اغتياله عام 1981.
ارتباط بانتفاضة 2011: أعاد متظاهرو 25 يناير 2011 إحياء شعارات انتفاضة الخبز ("الشعب يريد إسقاط النظام"، "عيش حرية عدالة اجتماعية")، مما يدل على أن مطالب المصريين لم تتغير جوهرياً خلال 34 عاماً. كان انتفاضة الخبز هي البروفة الأولى لثورة يناير.
🔪 هل أدت الانتفاضة إلى اغتيال السادات؟
يرى الكثير من المؤرخين أن انتفاضة الخبز كانت نقطة تحول حاسمة في مسار السادات. قبل 1977، كان السادات بطل حرب أكتوبر وصانع السلام. بعد 1977، تحول إلى "طاغية" في نظر الكثيرين. ازدادت حدة المعارضة الإسلامية ضده، واتهمته بـ"كسر شوكة الأمة" وسجن آلاف الإسلاميين (اعتقالات سبتمبر 1981). كما ساءت علاقته بالتيار العمالي والناصري واليساري. تعدد أعداؤه. كان اغتياله في 6 أكتوبر 1981 (على يد خالد الإسلامبولي من تنظيم الجهاد) تتويجاً لسنوات من التصعيد ضد "طاغية الانفتاح". لو لم تحدث انتفاضة 1977، ربما لم يكن السادات ليصبح هدفاً بهذه الدرجة من الكراهية.
"لقد حطمت انتفاضة الخبز أسطورة السادات التي بناها نصر أكتوبر. بعد 1977، أصبح مجرد رجل ميت يمشي."
🕯️ ذكرى الشهداء: من يذكرهم؟
لم يتم إحصاء أعداد القتلى بدقة أبداً. تجنبت الحكومة نشر أرقام، وأخفت العديد من الجثث في مقابر جماعية ليلاً. تشير التقديرات المستقلة إلى أن ما بين 40 و 200 شخص قُتلوا، وأصيب الآلاف. أسماء الضحايا لم تعلن، ولم يُقام نصب تذكاري لهم. لا تزال العائلات المصرية تحتفظ بجرح غائر، وتشير إلى هؤلاء الشهداء كأبطال ضحوا بحياتهم من أجل كرامة المصريين. في الذكرى السنوية، ينظم اليساريون والنقابيون وقفات احتجاجية صغيرة أمام مبنى الإذاعة والتلفزيون (ماسبيرو)، لكنها عادة ما تُقمع بقسوة.
"انتفاضة الخبز" في الثقافة المصرية: تم تناول الانتفاضة في العديد من الأعمال الفنية (أفلام، روايات، مسرحيات). أشهرها رواية "خبز على طاولة الخال" لميخائيل نعيمة؟ ورواية "الثلج يأتي من النافذة" لحنا مينا. كما أخرج المخرج السينمائي خالد يوسف فيلم "كباريه" (2009) الذي تناول أجواء الانتفاضة بشكل غير مباشر. تظل الانتفاضة جزءاً من الذاكرة الجمعية للمصريين.